زهرة الصحراء 9.
بعد صلاة الصبح و تناول الإفطار و سقى النباتات البرية طمعاً فى رضا الله عاد إلى جحره هرباً من لسعات الهواء الباردة. رغم أننا فى وسط النهار إلا أن الشمس قد غابت خلف السحب الكثيقة فراحت الرياح ترتع فى خفة و نشاط فى الفضاء الشاسع.. عندما عاد إلى جحره رأى كلباً يقبض بأنيابه بكل قوة على أرنب برى يتلوى و يتشنج ملطخا بالدماء.. أخذته المفاجأة.. طول حياته يهوى الكلاب، بل يعشقهم لإخلاصهم و وفائهم، لكنه لم يربى كلباً أبداً نظرا لضيق وقته. بقدر ما يعشق الكلاب بقدر ما يخشاهم، التعامل مع الوفاء و الإخلاص يجب أن يكون بنفس هذا الأسلوب الراقى النبيل. أى إهمال أو تقصير قد يُعد جرحاً لهذا الوفاء فيتحول الكلب إلى حيوان مسعور عنيف.
رماه الكلب بنظرات حذره، بينما راح "محمد" يرقبه فى قلق، لا يعرف كيف يتعامل معه. يبدو أن الكلب اطمأن لنظراته فراح ينهش فريسته فى هدوء. امتعض لمشهد الدماء لكنه قال فى نفسه: إنه حيوان برىء لا يعرف معنى القتل.. الإنسان هو الذى يقتل مع سبق الإصرار و الترصد، بل فى كثير من الأحيان يدفع بغيره للقتل. يتفنن و يبدع أخبث أساليب القتل و أمكر ألاعيب الهرب. القانون فى جميع أرجاء العالم يقف عاجزاً أمام الإنسان القوى. ليت الوحشية تنتهى عند حد القتل، ففى هذه الحالة سيُدفن جسد المقتول و تنتهى المشكلة عند هذا الحد. الأبشع قتل القلوب عمداً، فعندما يعيش الجسد يتلوى و يتألم بقلب مقتول ينزف دماً يفقد الأمل فى كل شىء، يفقد الإيمان بكل شىء، حتى يفقد إنسانيته فى النهاية فيسلم نفسه عن طيب خاطر لأهواء الشيطان الذى يجدها فرصة سانحة، فيسعى لتدمير كل شىء نبيل طاهر. مع ذلك لا يعاقب القانون أبداً على قتل القلوب، مع ذلك يدعى الإنسان التحضر و الرقى..
بعد أن انتهى الكلب من طعامه أشار له "محمد" إلى موضوع المياه، لا شك فى العطش الآن. ذهب الكلب إلى العين فوجد المياه فى عمق لا يستطيع الوصول إليه. هب "محمد" و راح يغرف بكلتى يديه ليسقيه، بعد الارتواء نظر إليه الكلب فى امتنان ثم راح يمسح رأسه فى قدميه. استبشر خيراً و قرر اصطحابه معه لنهاية الرحلة.
فى المساء هبت عاصفة ترابية هوجاء حتى لم يعد الظلام أسود كالمعتاد، بل أصفر فى لون التراب. قبع "محمد" داخل جحره يتأمل التراب الزاحف فى خشونة على الأرض حتى بدى كل شىء فى هذا الكون معذباً. التفت إلى الخارج فبدا له أن هناك وحشاً عملاقاً يصر على حبسه حتى الموت فى هذه الصحراء.. تذكر ما قرأه عن "أفلاطون" حين وصف الإنسان بأنه يعيش سجيناً بداخل الكهف فى بطن الجبل خوفاً من المارد الذى يراه يتحرك فى الخارج، بينما لو خرج الإنسان من الكهف لمواجهة الحقيقة لأدرك أن هذا المارد ما هو إلا دخان يتحرك. هكذا يعيش الإنسان سجين هذا الجسد اللعين الذى يمنعه من بلوغ الحقيقة. يبدو أنه قد كُتب عليه الموت وحيداً داخل هذا الكهف.
انتبه من تأملاته على الكلب و هو يعضه برفق فى قدميه، نهره محاولاً إمعان التفكير، بيد أن الكلب راح يشده من ثيابه محاولاً مداعبته، ثم راح يلعق رقبته حتى سمعه يقول له سأظل معك إلى الأبد.. شعر بالحسرة تمزق قلبه، إذا كان الحيوان الذى يحتقره الجميع لأنه لا يملك العقل و الوجدان مثل الإنسان قد شعر به من خلال النظرات الصامتة دون كلام فلماذا لم تشعر بى "رشا"؟ أين الخطأ؟ ليت الناس كلهم مثل هذا الكلب الوضيع..
ابتسم فى سخرية عندما اكتشف أنه يعتبر نفسه الإنسان الوفى الوحيد فى هذه الدنيا رغم كل ما فعله مع "سلمى"، رغم كل ما فعله مع زملائه و تلاميذه النابهين. يعتبر نفسه إنساناً مؤمناً رغم أنه كان يعب زجاجات الخمر و يسهر ليالى الأنس أثناء شهر رمضان. يا لك من إنسان فاجر وقح. إنك مثلهم، إنهم رغم كثرة ذنوبهم و خطاياهم يعتبرون أنفسهم أبراراً مثلك.
فى الصباح وجد نفسه مردوماً فى التراب، فى أنفه، فى عينه، يشعر به خشناً يجرح ثنايا جسده.. خرج من الكهف وجلاً فلم يستطع رؤية شيئاً، التراب يرتع سعيداً يحجب الكون، الرياح ثائرة.. راح يتخبط بخطوات مرتجفة مثلما الضرير حتى وصل إلى النباتات، جمع بعض الثمار التى أحس بخشونتها بين أصابعه من أثر هذا التراب اللعين الذى يغلف العالم. حاول غسل الثمار جيداً فى الماء ثم رجع سريعاً إلى الكهف. التهمها بيد ترتجف من البرد. التراب داخل الثمار يحطم أسنانه المترفة و يلوى أمعاءه، تذكر صديقة "حسن"..
كان "حسن" زميلاً فى فترة التجنيد، نوبى، أسمر البشرة أبيض القلب بشوشاً طاهراً، يحب كل الناس، الكره لا يجد طريقاً إلى قلبه مهما كانت قسوة من حوله.. من أحب هواياته إعداد الطعام و ترتيبه ثم تقديمه بطريقة تفتح شهية الشبعان. فى ذات يوم كانت وجبة الغداء عبارة عن شراب العدس الأصفر، تذمر الزملاء من هذه الوجبة الشعبية التى ملوا منها بينما كنت أنا أداعبهم لأننى أحب شربة العدس الأصفر. تذوقته فوجدته خفيفاً مثل الماء، تركته. سألنى "حسن" عن السبب فقلت له أحبه ثقيلاً مثلما كانت تفعله والدتى، فإذا به يعب من الدلو الكبير و يغلى الشربة على النار حتى يبخر الماء. قلت أريد ملعقة من السمن البلدى، فأتى بها من عنده. تذوقته فطلبت بعض التوابل، فأتى بها، ثم طلبت خبزاً محمصاً لأضعه فى الشراب، فقام بتحميص الخبز. عندما بدأت الأكل بشهية فوجئت به لا يأكل معى، قال: أنا لا أحب العدس. شكرته على إعداد هذه الوجبة من أجلى فقط. فابتسم ابتسامته الصافية حتى بدت أسنانه ناصعة البياض وسط وجهه الأسمر و هو يقول: بالهناء و الشفاء.
بعد انتهاء فترة التجنيد عدت إلى الإسكندرية و عاد "حسن" إلى بلده أسوان. كان يتصل بى كثيراً و يلح على أن أزوره هناك، كنت أتمنى فعلاً رؤيته. لكن حين اصطدمت بالتمثال الرومانى كرهت كل شىء فى الدنيا. فقدت صبرى على كل شىء و أى شىء. أصبحت أضيق بثرثرته و ضحكاته التى لا معنى لها. ثم انتقلت إلى القاهرة و أصبحت موسيقاراً معروفاً، حاول الاتصال بى لكنى لم أكن أرد على تليفوناته بعد أن أصبح لا يشغلنى شىء سوى النجاح فقط و لا شىء غير ذلك.. قابلته مصادفة فى أسوان لكنى أدرت وجهى، كنت أريدها رحلة استجمام و هدوء بجوار "سلمى" لأداوى بها كل جروجى.
لم أشعر بقيمة صداقته و أقدرها مثلما أقدرها الآن.. اكتشف فجأة أنه كانت هناك أشياء جميلة لم يقدرها حق قدرها. لم تكن الحياة سوداء مثلما كان يراها، صدق الله العظيم حين قال: " لو لم نجد فيها خيراً لفسدتا". اكتشف مدى جحوده و نكرانه للنعم. لم يشعر يوماً بالفقر و الحاجة التى يعانى منها الكثيرون، و لم يشكر الله. لم يشعر بالجوع و العطش إلا بعد أن تاه فى الصحراء، بالرغم من ذلك لم يشكر الله. لقد وهبنى الله أسرة متماسكة تحبنى، وهبنى المال ، وهبنى موهبة الموسيقى و برعت فيها. لم أرضَ أبداً عن كل هذه النعم بل لم أكن أراها أو أشعر بقيمتها من قبل. و بعد كل ذلك أدعى أننى قريب من الله و أتساءل لماذا يتخلى عنى و يضلنى؟! إنسان وقح..
قبع داخل كهفه انتظاراً لهدوء العاصفة، لم يجد شيئاً يفعله سوى تلاوة القرآن. فى أثناء ذلك انتفض الكلب و راح يحيط به من جهة اليسار و هو يدفعه بعنف ثم راح يعوى و يتلوى.. هب "محمد" مذعوراً من هذا السلوك الغريب. ارتمى الكلب على الأرض يتلوى فى تشنجات عنيفة، فإذا به يرى عقرباً أسوداً عالقاً فى فخذ الكلب..
بكى "محمد" من أعماق قلبه مثلما بكى لفقد جده. فى الليل بات وحيداً دون وجود أحد يتنفس بالقرب منه. بعد أن هامت الروح فى ملكوت ربها رأى نفسه فى حديقة رحبة أشجارها وارفة، نباتاتها مزهرة بكل الألوان بينما الكلب يحيط به يقفز حوله فى مرح و سعادة...
* موعدنا الخميس القادم، إن شاء الله.
حسام أبو سعدة.
hossamaboseda@gmail.com

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق