الثلاثاء، 7 نوفمبر 2017

التابوت قصة قصيرة : بقلم / علي حزين / مصر

التابوت
قصة قصيرة : بقلم / علي حزين / مصر
يرمي بنفسه ــ كالعادة ــ في الشارع كل صباح .. بعدما يكون قد فرغ , من ممارسة طقوسه المعتادة .. ولا يمكن بحال أن ينفك عنها .. ليبدأ رحلة العذاب.. نفس الطقس السيئ .. زحام في كل مكان .. مجاري طافحة.. ضجيج العربات , يختلط مع أصوات الناس .. وعادم العربات يتطاير في الجو .. أكوام من الزبالة ملقاة بعشوائية هنا وهناك .. حفر ومطبات في نفس الشوارع تقريبا .. مضايقات الباعة الجائلين,علي الرصيف , وفي إشارات المرور .. نفس الوجوه تقريباً الكالحة الكئيبة .. ومساحيق النساء الرخيصة التي تجعل النفس تشمئز منها وتتقزز .. والمصطلحات النابية التي تؤذي مسامعه كل صباح .. يسمعها من المراهقين , وهم يعاكسون الفتيات .. وتحيات الصباح المنبعثة من هنا وهناك .. وصاحب المقهى المنتفخ علي كرسيه علي ناصية الشارع .. واضعاً ساق علي ساق .. ومبسم الشيشة في فمه .. " والجا رسون " َيُقم المقهى أمامه .. ويعدل في الكراسي .. ها هو الحاج " محمد " يفتح دكانه .. يكنس, ويرش الماء يسمعه يقول :
ــ " توكلنا عليك يا رب ".. 
ــ .....................
يلقي عليه تحية الصباح .. وهو يتفادى احدي الدرجات البخارية ..
" يتحوقل " الرجل .. ويدعوا له بالسلامة .. يستأنف السير مشيا على الأقدام .. يتمتم بصوت منخفض .. لا يسمعه غيره : 
ــ "ربنا يسترها علينا ".. 
صوت من بعيد يردد : 
ــ " توب علينا يا رب .. 
يُؤمن خلفه , وهو يرفع رأسه للسماء .. ويبتسم في نفسه .. ويواصل في طريقه .. ويردد خلف الصوت , بصوت مسموع :. ...
ــ " توب علينا يا رب " .....
يصل إلي عمله .. الكائن في إحدى البنيات المتهالكة , المتصدعة .. يستقبله المدير بوجهه العبوس المقطب .. والذي اعتاد كل صباح .. أن يغسله بفم ساخن ــ وصلة ردح ــ على الريق .. يصبحه بموشح في الالتزام .. والانضباط بالمواعيد الرسمية للعمل .. وفي النهاية ,لا ينسي أن يطلب منه , الفراغ من كومة الدوسيهات , التي أمامه علي المكتب بأقصى سرعة ممكنة حتى تقوم الشركة بإرسالها إلي الجهات المختصة... " خمسة عشر عاما مضت .. وهو على هذا الحال , والمنوال .. منذ أن جيء به إلي هذا المكان.. حيث المكتب الذي يئن, من كثرة ما حمل عليه .. ولا يكاد يخلو من جبال الدوسيهات إلا نادراً.. خمسة عشرة عاما مضت في نفس التابوت.. وفي نفس الدائرة المفرغة.. يدور فيها كالرحى ..
دوامة لا تنتهي.. إلا بانتهاء العالم .. أو خروجه على المعاش " .. 
يقلع الجاكت الرمادي القديم .. ذاك الذي اشتراه من أول راتب قبضه في يده.. لزوم الوجاهة والمنظرة.. يضعه علي شماعة اشتراها له خصيصا .. يجلس علي كرسيه العتيق .. بعدما يكون قد اخرج نظارته المقعرة , القارئة.. وقلمه ذو السن الرفيع .. ولم ينسي أن يشعل سيجارة .. بعدا أن يضع له العم " سيد " العامل بالمصلحة .. شاي الإصطباحه أمامه علي المكتب ــ والحساب علي النوتة طبعاً ــ بعض الزملاء يتناولونه من حين لأخر بالتعليقات الساخرة .. والضحكات ذات المغزى الخبيث .. فيشترك معهم أحياناً في الحديث, والضحك .. وأحياناً أخرى يكتفي بالصمت .. وعيناه ما انفكت مغروسة , ومنغمسة في الأوراق التي أمامه .. يسأله أحدهم عن العلاوة .. والأخر عن الترقية .. فيجيبهم بصوت هادئ, ونبرات فاترة.. وهو يقلب في أوراق الدوسيه الرمادي الذي أمامه . 
ــ " الله أعلم .. ما عندي علم في هذا الأمر .. ولا استطيع أن أفتيكم فيه.!! 
يعود إلي البيت .. بعدما يكون قد مر علي السوق ..وقد اشتري مستلزمات البيت , وطلباته الضرورية .. وربما اشتري أيضاً بعض الكتب ,والمجلات التي يجدها في طريقه صدفه .. عند بائع الصحف والمجلات والجرائد .. ذاك القابع بجوار ميدان المحطة .. وهو يمر عليه كل يوم في الذهاب والإياب .. وما أن يصل إلي البيت .. حتى يلقي ما في يديه بالثلاجة.. يصعد مهرولا إلي الطابق العلوي .. يغسل يديه بالماء والصابون جيدا.. فذاك ديدنه .. وتلك عادته التي لا تنفك عنه .. كلما عاد من الخارج .. تنفيذا لتعليمات وزارة الصحة.. وخوفا على نفسه من الأمراض المعدية .. خاصةً المنتشرة في الآونة الأخيرة .. وخصوصا مرض إنفلونزا الطيور المنتشر في العالم مؤخراً .. يصنع كوباً من الشاي الثقيل , ليعدل به أم دماغه التي خربت .. وصدعت من كثرة الضجيج , والدوشه .. يسترخي قليلاً علي أريكته القديمة .. يشعل السيجارة الأخيرة, التي تقبع في جيبه .. ُيمسك بأحد الكتب , التي اشترها من المعرض الدولي للكتاب .. في العام المنصرم .. يفر أوراقه .. يقرأ......" هي أم لأربعة أطفال ..أنهكها المرض والتعب .. فلم تعد تفي بمتطلباتها الزوجية.. تهرب منه , وتفر كلما طلبها للفراش .. لذا تركت له الطابق الذي يعيش فيه.. وسكنت مع الأولاد .. في الطابق الأرضي .. واكتفت بشغل البيت .. وإعداد الطعام .. الغسيل .. الكنس .. مذاكرة للأولاد .. وبعدما تفرغ من ذلك كله .. ربما جلست معهم أمام التلفاز , لتشاهد أحد الأفلام .. أو المسلسلات المضحكة , الذي ربما على صوتها قليلا , فيوقظه من نومه.. فزعاً , متوترا , فيصب َجامَ غضبهِ عليهم جميعاً .. ويزعق فيهم , أن أطفئوه ..أو اخفضوا من صوته المزعج قليلا .. " سبعة عشر عاما مضت .. ذلك عمر زواجهما التقليدي .. ولا يشعر كلا منهما تجاه الأخر بأي عاطفة أو إحساس .. ولا يجمع بينهما غير الأولاد , فقط , القدر هو الذي جمع بينهما.. تحت سقف واحد , لكنهم كالغرباء .. صارحته ذات يوم .. وبعد مرور زمن علي زواجهما .. وبعدما أنجبت له الأولاد .. بأنها كانت مرتبطة عاطفيا .. مع شاب يسكن في الدرب الذي تسكنه.. ودارت بينهما قصة حب طويلة .. لكن أسرته الغنية لم تبارك هذه العلاقة .. ورفضت أن تتوج حبهما بالزواج , ذلك الرباط المقدس , لأنها من أسرة فقيرة ,علي حد زعمها, وزوجوه بآخري غيرها .. مما اضطرها بان تتزوجه.. حتى لا يفوتها القطار.. وحتى تثبت لهم بأنها يمكنها أخذ من هو أفضل منه .. وكانت تنعته دائماً , بقولها :
ــ " هو إنسان طيب , ووسيم , مثقف , منظم في مواعيده , جميل , وعلى خلق , موظف حكومي , محترم , له دخل ثابت .. يمتلك شقة إيجار جديد .. وبيت ورثة عن أبيه " .... تلك الميزات جعلتها ترى فيه انه الشخص المناسب .. الذي يستطيع أن يعوضها .. عن هذا الحب الفاشل .. والحرمان العاطفي .. أما هو فقد اقنع نفسه بان الحب , شيء ثانوي .. وأمر عادي.. وبأن الحب الحقيقي .. سوف يأتي بعد الزواج , ومع العشرة .. وبأن المعاملة الحسنة هي الأساس .. والزمن وحده كفيل , ينسيها هذا الماضي اللعين , من وجهة نظره المتواضعة .. والذي كان سبب في نفورها منه .. وابتعادها عنه لفترة محدودة .. وبأنه لم يبقي في العمر , بقدر ما مضي منه .. وبأنها سوف تحبه مع الأيام .. وتعطيه كل اهتمامها .. مع رعايتها له , ولأولاده , والبيت."..............
يتسلل النوم إلي عينية الكليلة, المتعبة .. فينام .. ناسيا الشاي , والسيجارة التي وضعها أمامه في المطفأة , قد انطفأت .....
قبل المساء بقليل يستيقظ من نومه .. تناول طعام العشاء مع أسرته الصغيرة .. في جو مفعم بالود والحب .. والاحتواء .. داعبهم قليلا .. وأغدق عليهم حبه , وأعطاهم ُجلَّ عطفه , وحنانه .. ثم تركهم وانصرف لبعض شؤونه في الخارج .. ولم يعود إلي البيت .. إلا بعدما غلب علي ظنه بأنهم خلدوا جميعاً إلي النوم .. أدار المفتاح بالقفل ببطء .. دخل يتسحب علي أصابع قدميه.. مشي ببطء وحذر وحتى لا يصطدم في شيء فيستيقظوا .. صعد إلي غرفة نومه.. توضأ , صلي ما فاته من أوقات .. أمسك الرواية التي لم ينتهي من قرأتها بعد .. وأخذ يقرأ ..........
" وتمر الأيام , تلو الأيام .. وكل واحد منهما في حال سبيله .. متقوقع علي نفسه .. منزوي عن الأخر .. ومنطوي , ومنغلق علي نفسه .. وله حياته الخاصة .. وخصوصياته التي لا يقتحمها غيره .. نادرا, أراهما .. يلتقيان .. يجلسان .. يتحدثان .. يثرثران في أشياء تافهة .. وأمور عادية جداً .. غير ذي قيمة تذكر.. وربما يطول بينهما الحديث أحياناً .. ويتطرق إلي الكلام عن العمل .. وقد ينحني قليلا , ويتطرف نحو حياتهما الخاصة.. ولكن سرعان ما ينزوي, ويتلاشى كل هذا.. لأتفه الأسباب .. يتشاجران .. يتخاصمان .. وينعزل كل منهما عن الأخر.. وينفصلان كما كانا من قبل كالغرباء .."..............
يشعر بالتعب .. وعدم القدرة علي مواصلة القراءة .. يلقي بالكتاب بعيدا عنه .. يحس بالملل يتسلل داخله.. وصقيع الحرمان يغزوه .. ويملأ أركان الغرفة.. وكل شيء حوله.. ينقلب إلي شتاء قارص .. ويشعر بخريف العمر يدب دبيبه في جسده .. ويسري في أوصاله المنهكة .. المتعبة .. بحث عن سجائره فلم يجد .. تذكر انه لم يشتري سجائر هذا اليوم .. تمتم ــ " تبت لكِ أيتها السجائر اللعينة .. يا ليتنى اقوي علي أن اتركها .. تلك العادة السيئة التي أخذت من صحتي , ومالي الكثير .. اللعنة .." ....... 
فكر أن يخرج ثانية , ليشتري سجائر .. نظر في ساعته .. كان الوقت متأخراً جدا .. ولا يسمح له بالخروج .. في ظل الطوارق التي تعيش فها البلاد .. فجأة ينقطع التيار الكهربائي .. بحث عن شمعة .. يضعها علي التلفاز في طبق .. نظر في المصباح الموفر الذي اشتراه من شهرين .. ظنً منه بأنه سيوفر الطاقة الكهربائية .. ولا يقطع النور مرة ثانية .. ابتسم في نفسه .. استرخي علي السرير .. اخذ نفسا عميقاً .. حمد الله على كل أحواله .. واستسلم لنومٍٍ عميق ..... 
في الصباح قام من نومه .. مارس طقوسه الروتينية , المعتادة .. والتي لا يمكن بحال , ولا يستطيع الانفكاك عنها.. فهي صارت جزءً لا يتجزأ .. من حياته اليومية المعتادة .. يدخل الحمام بالماء الساخن , يتوضأ .. يصلي .. يشرب الشاي .. يبحث عن سجائره .. يتذكر بأنها نفذت منه البارحة .. ولم يشتري غيرها .. يرتدي لباس الخروج .. بعدما لمع حذاءه .. يبحث عن أشياءه المتواضعة.. يضعها في جيبه.. بعدما يلملمها من فوق المكتب.. " حافظة نقوده.. مسبحته.. كتلة المفاتيح .. جواله ... السجائرــ ليست موجودة في هذا الصباح ــ يكتفي بالولاعة .. وقد أضمر في نفسه عند أول " سوبر ماركة " سيشتري علبة كاملة " بعشر جنيهات" .. لقط قلمه المفضل ..غرسه في جيبه هو الأخر .. مع الرواية التي لم ينتهي من قرأتها بعد .. ممنياً نفسه بتخليصها , وبإيجاد وقت لقراءتها في المواصلات . أو بعد ما يفرغ من عمله .. كاد ينسي نظارته في أخر لحظة قبل الخروج من البيت .. فذاكرته لم تقوي علي التذكر في هذه الأيام .. صبّح علي أولاده , وزوجته التي قد أعدت له الفطور, علي عجلٍ إلتقم قطعة من الخبز , مع قرص من الطعمية , وقليل من الفول المدمس .. أعطى زوجته ما تحتاج من نقود , ولأولاده أيضا , وقبل أن يرمي بنفسه في نهر الشارع .. كالعادة كل صباح .... لم ينسى أن يضع قبلة علي جبين زوجته .. ليبدأ رحلة العذاب من جديد ................
نفس الطقس السيئ .. زحام في كل مكان .. مجاري طافحة .. ضجيج العربات يختلط مع أصوات الناس.. وعادم العربات يملأ الجو .. أكوام من الزبالة ملقاة بعشوائية ــ هنا وهناك ــ حفر ومطبات في نفس الشوارع تقريبا .. مضايقات الباعة الجائلين علي الرصيف .. وفي إشارات المرور .. ونفس الوجوه الكالحة الكئيبة.. ومساحيق النساء الرخيصة التي تجعل النفس تشمئز منها وتتقزز .. والمصطلحات النابية التي تؤذي مسامعه كل صباح من المراهقين , وهم يعاكسون الفتيات .. " وتحيات الصباح المنبعثة من هنا وهناك ".. وصاحب المقهى المنتفخ علي كرسيه .. علي ناصية الشارع .. جالساً .. واضعاً ساق علي ساق .. ومبسم الشيشة في فمه ............................................................................................................................................................................................................................................

بقلم / علي السيد محمد حزين " من مصر "
تمت بتاريخ 24 / 5 / 2015
Image may contain: 1 person, sitting, screen and close-up

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق