الأربعاء، 30 نوفمبر 2016

لقصص الهادف صفاء النعمة بقلم / أحمد عبد اللطيف النجار أديب ومفكر مصرى

بسم الله الرحمن الرحيم 
القصص الهادف

صفاء النعمة 
بقلم / أحمد عبد اللطيف النجار
أديب ومفكر مصرى

تمام النعمة دوام شكرها والمحافظة عليها ، الصحة نعمة والمال نعمة والأبناء نعمة ، وقد قرن الحق سبحانه وتعالى المال بالبنون وأنهم زينة الحياة الدنيا ، ولكن الباقيات الصالحات خير عند الله في الأجر والثواب ، فقد تنقلب نعمة المال إلي نقمة علي صاحبها عندما يغتر بهذا المال كما فعل قارون ، وقد تنقلب نعمة البنون إلي نقمة أيضاً عندما يرزقك الله بولد عاق أو جاحد !
وهكذا فنحن نقيس النعمة برؤيتنا الشاملة لها وبدوام شكر الخالق عليها ، فكثيراً ما ينشرح صدري عندما أقرأ عبارة ( أشكر الله) وعبارة ( هذا من فضل ربي ) علي عربات الباعة الجائلين البسطاء ، هؤلاء إيمانهم فطري ، إنهم يرضون بالقليل مع كثير من الشكر للخالق ، ويزداد انشراح صدري عندما ألمح علي قارعة الطريق امرأة عجوز تضع أمامها بضع حزمات من الفجل والجرجير تبيعهم وتسترزق منهم وترضي برزقها القليل الحلال !
وعلي العكس منهم أصحاب المليارات الذين اغتروا بأموالهم كما فعل قارون ، فنسوا الله وأنساهم أنفسهم ، المال هنا انقلب إلي نقمة علي هؤلاء أصحاب المليارات ، وكان نعمة كبيرة وبرداً
وسلاماً في عيون الكادحين البسطاء !!
من هؤلاء الكادحين البسطاء الحامدين الشاكرين أقص عليكم اليوم قصة صاحبي وحبيبي شامل ، الذي جاءني ذات يوم مُشتت الذهن في حيرة كبيرة من أمره ، سألته ما بك ؟... فقال : 
اقترب الآن من الأربعين من عمري ، تخرجت في معهد عال منذ 17 عاماً وتخصصت في أحد المجالات اللازمة جداً للعمل الفني ، لكن صاحبها يبقى في الظل معظم حياته ، لا ينال شهرة ولا يحفظ الناس اسمه .
حين كنت في السنة الثانية بالمعهد ارتبطت عاطفياً بزميلتي نرجس التي شدني إليها صفاؤها وبساطتها في كل شيء ... جمعت بيننا الظروف المتشابهة ، فقد كانت مثلي مقطوعة من شجرة ، يتيمة الأب ، تعيش مع أمها في أحدى المدن القريبة من القاهرة علي معاش صغير بلا إخوة ولا أعمام ولا خالات ، وكنت أنا أيضاً يتيم الأبوين ، لي شقيقتان فرّقت الدنيا بيني وبينهم ، أحداهما تزوجت وعاشت في البحر الأحمر ، والأخرى تزوجت واستقرت مع زوجها في سوهاج ، وجئت أنا للقاهرة الكبيرة لألتحق بمعهد الفنون المسرحية معتمداً علي ما تبقي من معاش أبي .
أقمت في القاهرة في غرفة مفروشة صغيرة بحي بين السرايات ... في هذه الظروف التقينا ، نرجس تقيم في بيت للطالبات يلتهم معظم معاشها ، وأنا أقيم في غرفة مفروشة تلتهم معظم معاشي !
كانت تمر عليّ الأيام الطويلة ، فأمضى معظم يومي في المعهد أدرس وأقرأ وأتكلم مع زملائي وزميلاتي ، وكانت نرجس مثلي تمضي معظم نهارها في المعهد ، واقترب كلانا من الآخر ووجد فيه عزاءه في غربته ووحدته ، وتصارحنا بحبنا ، كان ذلك ونحن في السنة الثالثة بالمعهد .
كنا نذهب سوياً كل يوم للمعهد ، حيث كنت انتظرها في محطة الاتوبيس القريبة من بيت الطالبات حتي تجئ ، ثم نركب سوياً إلي المعهد ، هكذا كنا نذهب معاً ونعود معاً ونذاكر معاً في حديقة الأورمان ، أو نشاهد تجارب الفرق المسرحية والندوات .
عرف كل الزملاء بارتباطنا واحترموا علاقتنا التي توجناها بدبلة الخطوبة ، واستمرت دراستنا بالمعهد .... مرت الأيام سريعاً وتخرجنا معاً في يوم واحد ، وجاءنا تعيين القوى العاملة بعد شهور فأنقذنا من الضياع ، وتم تعيين نرجس في وظيفة صغيرة بأحد قصور الثقافة ، وتم تعييني في وظيفة أصغر بنفس الهيئة ، وبدأنا نستعد لبناء مستقبلنا بلا أي سلاح سوى إيماننا بالله ومرتبنا الصغير !
في هذه الفترة مارست أعمالاً كثيرة كي أتمكن من جمع بعض المال اللازم لاستئجار شقة ، فكنت أعمل في مكاتب الإعلانات خطاطاً وأحياناً رساماً ، وكثيراً ما كنت أحمل جردل الألوان والفرش وارسم واكتب مقابل جنيهات قليلة ، أما نرجس فكانت تخرج من عملها لتبحث عني في شوارع القاهرة ، فتجدني مرة في شارع رمسيس ، ومرة في شارع الهرم واقفاً أمام لوحة إعلانات ، فتأتي لي بسندوتشات الفول والطعمية ، ثم تحمل لي الألوان وأنا علي السلم وتشاركني الكتابة والرسم إلي أن ينقضي النهار ونعود سعداء بالجنيهات القليلة التي أعطاها لنا المعلم !
وجاء موسم الانتخابات البرلمانية واشتد الطلب علي الخطاطين لكتابة لوحات الدعاية ، فكنا نمضي ليالي عديدة ساهرين في ميدان الجيزة نكتب اللافتات ونسلمها لأصحابها ، وبعد أن انتهت الانتخابات كان معنا من المال ما يكفي لاستئجار شقة متواضعة بالدور الأرضي في بيت ريفي من بيوت الهرم ، ورغم تواضع 
الشقة فقد فرحنا بها فرحة العمر ، وأسرعنا ننقل ملابسنا أليها ونشترى أثاثها .... كان الأثاث عجيباً بحق ، لكننا فرحنا به وكان في نظرنا رياشاً فاخرة ، حيث نزلنا إلي أحد محلات الكليم في الجيزة واشترينا أربعة قطع من الكليم الملون ووسادتين وبطانية وبعض أدوات المطبخ وسبرتاية وعدنا للشقة ، وراحت نرجس تفرش كليم في غرفة خالية وتقول هذه هي غرفة النوم ، وكليماً آخر في غرفة أخرى وتقول تلك هي غرفة المعيشة ، وكليماً في الصالة وتقول هنا الأنتريه ، أما الغرفة الثالثة فتركتها خالية للمستقبل .
وحددنا موعد عقد القران والزفاف واستدعينا أم نرجس وأرسلت استدعي شقيقتاي ، وأذعنا بين الأصدقاء وزملاء الدفعة موعد الزفاف ، وكان كثيرون منهم قد بدأ يعرف طريق الشهرة والمال في عالم المسرح والفن ، فجاءوا جميعاً يحمل كل منهم شيئاً للبيت أو للحفل ، بل جاء أحدهم وكان عزيزاً عليّ يحمل معه ( ترابيزة) كبيرة لا يحتاج إليها ، وآخر جاء ومعه دستتين من المقاعد المؤجرة من أحد محلات الفراشة ، وبعد أن انصرف المأذون أقام لنا الزملاء زفة كبيرة وحفل رائع استمر حتى الصباح !
أقسم بالله يا صاحبي أنه لو أراد مليونير أن يقيمه لابنته الآن لتكلف مئات الألوف من الجنيهات ، لأن مطربيه ونجومه أصبحوا الآن من المشاهير الذين يتقاضون الألوف من الجنيهات !!
بدأنا حياتنا الزوجية سعداء تملئ نفوسنا الفرحة والرضي والقناعة ، وليس في غرفة نومنا سوى كليم ووسادة وبطانية !!
وبدأنا نشترى الأثاث قطعة ، قطعة ، وبدأت زوجتي نرجس تفصل الستائر وتعيد طلاء الشقة ، وخلال ثلاثة أعوام كان لدينا شقة رائعة يملؤها الحب والأمل في رحمة الله .
وبدأ عملي يتسع ويزداد رزقي ، فأعطيه كله لزوجتي الحبيبة التي كانت تنفقه بحكمة ، كان كل قرش في موضعه الصحيح ، وبعد خمسة أعوام من الزواج نجحت في استئجار شقة حديثة في الهرم .. شقة علي وش الدنيا كما يقولون !
وأصبح لنا أثاث معقول ، وأصبحت لي غرفة مكتب ومائدة رسم أعمل عليها في البيت ، أما زوجتي الحبيبة فقد ازدادت جمالاً وبهاء وأصبحت أكثر حباً للحياة والناس حتى أنني كلما أهديت إليها فستانا أو بلوزة فرحت بها ، ثم ترتديها مختالة فخورة لفترة قصيرة ، وبعد ذلك أراها بالصدفة علي بنت البواب أو ابنة المكوجي أو أي فتاة تتعامل معها ، فإذا سألتها قالت لي ببساطة رائعة أن الثوب يدعو لصاحبه وهو علي جسم غيره حتى يذوب آخر خيط فيه !!
بل وتقوم بتوزيع كل ملابسي القديمة وملابسها أيضاً طلباً للدعاء كي يحفظ الله نعمته علينا .
والله يا صاحبي عندما استمع إلي فلسفتها الإيمانية الرائعة ؛ أزداد حباً لها وأفهم ساعتها سر خلو دولابي من كل ملابسي التي لم يمض أكثر من عام أو عامين علي شراؤها ، وأضحك كثيراً حين تذكرني إذا ناقشتها في تلك الفلسفة الإيمانية الراقية بكفاحنا ، أو عندما تقول لي هل تريد لغيرك أن يكون وحيد البنطلون أو البلوفر أو وحيدة الفستان كما كنا في شبابنا !!
لقد زادتها النعمة صفاءاً وحمداً لله وحباً للناس والدنيا ، وحين طلبت منها ذات يوم أن تستقيل من عملها ؛ وافقت علي الفور ، وزادت حياتي بهجة بتنظيم أموري وعملي الذي نوسع كثيراً بعد أن تعاملت مع الشركات التجارية الكبرى والمحلات الشهيرة ، وأصبحت مصمم ومنفذ ديكور مطلوب في السوق ، وأصبحت
حبيبتي نرجس تشاركني في عملي ، فترسم وتصمم وتشارك في التنفيذ .
لكني لاحظت منذ فترة أنها شاردة وكثيرة السرحان ، ولما سألتها قالت أنها ( تحّن) للأطفال وأن يكون لنا طفلاً ، فقد مر علي زواجنا عشرين عاماً ونحن وحيدان بلا أطفال وبلا أمل فيهم ، وقد بادرت هي وصارحتني ذات يوم بأنها قد فحصت نفسها وأن الطبيب قال لها أن لا أمل لها في الإنجاب .
ساعتها لم أعبأ بما قالت ، وقلت لها إنني أريدها هي وحدها من الدنيا ، وقد وجدت فيها الأم والزوجة والابنة والابن ، وإنني لا أحتاج معها إلي أي شيء آخر ما دامت تلك هي إرادة الله ، لكنها لم تقتنع بكلامي ، بل وتطالبني بالزواج مرة ثانية حتى لا أُحرم من الأطفال ، وحاولت إقناعها بشتى الطرق أن تنسى هذا الموضوع ، لكنها تصر عليه ، فماذا أفعل ؟!
ــ لا تفعل شيئاً يا صاحبي سوى الصمت والتأمل في أخلاقيات تلك الزوجة النورانية الشفافة ، فقصة كفاحك رائعة ومؤثرة ، وأروع ما فيها صور التلاحم والتعاون والحب من زملاؤك الفنانين ، تلك الصور الرائعة النبيلة التي يندر أن نجد مثلها الآن في الوسط الفني والوسط الإنساني عموماً !
والله يا أخي سلوك زوجتك الإنساني كله هز وجداني بشدة ، خاصة عندما كانت تتبرع بملابسها لابنة البواب والمكوجي وغيرهم من المساكين وهم كثيرون في أوطاننا ، وهذا إن دل علي شيء ؛ فإنما يدل علي روحها النورانية البريئة الطاهرة التي تحب الخير لكل الناس .
إنني أصدقك يا صاحبي حين تقول أنك سعيد في حياتك رغم عدم الإنجاب ، نعم أصدقك لأن هناك كثيرون غيرك يستطيعون العيش 
بدون إنجاب ولا يفرطون في شريك العمر ، ولا غرابة في ذلك !
ألسنا نرى في الحياة العديدين يستطيعون العيش بلا زواج أساسا !
نحن نقدر جيداً مشاعر نرجس ، إنها خائفة علي سعادتها معك وتحاول أ ن ترفع عن نفسها هذا الخوف وهذا القلق علي مستقبلها باقتراحها عليك أن تتزوج مرة أخرى حتى لا تعيش محروماً من الأطفال وهم فاكهة الدنيا !
ما عليك سوى طمأنتها علي سعادتك معها ن وأكد لها أن كليكما مشدود للآخر بحبل سري متين لم ينقطع ولن ينقطع أبداً بإذن الله.


أحمد عبد اللطيف النجار
أديب ومفكر مصري

# إقرار علي مسئوليتي الشخصية والأدبية والمهنية .......
جميع الأسماء والأماكن الواردة بقصصي من بنات أفكاري ( يعني من وحي خيالي ) وإن 
كانت الأحداث والوقائع حدثت بالفعل وحقيقية 100% ــ هدفي هو نشر نوع جديد و
مبتكر من الأدب الإسلامي والإنساني الواقعي يسمو بالروح إلي آفاق رحبة من الرقي والحب 
والتسامح ونشر الوعي الإسلامي بين كل الفئات بأسلوب سهل بسيط لا تعقيد فيه ولا غموض 
شباب هذا العصر لا يقرءون ولا يهتمون مطلقاً بالقراءة لانشغالهم بالانترنت والفيس بوك ذلك العالم السحري الذي لا حدود ولا أوطان له ‘ فصار العالم كله قرية صغيرة ،، فكان و لابد من التفكير في إبداع أدب إنساني جديد يناسب تفكير شباب وفتيات القرن الحادي والعشرين ، وقد أخذت على عاتقي التفكير بجدية في ابتكار ذلك الأدب الهادف في سطور قليلة سريعة القراءة وفي نفس الوقت سريعة التأثير في النفس ، وقد وفقني المولي عز وجل في تأليف أكثر من 1500 قصة قصيرة أو ممكن تسميتها نصوص أدبية من الأدب الواقعي الذي يعالج نقائص النفس البشرية ويداوي جراحها !! وما زال التأليف مستمراً !!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق