زهرة الصحراء 8.
استيقظ فى الصباح نشيطاً مرحاً على عكس ما كان يتوقع. إندهش من كل هذا النشاط دون فناجين القهوة، الجسد اللعين الذى كان يشعر به ثقيلاً بطيئاً كأنه مجرد آله عتيقة متربة عفى عليها الزمن أصبح خفيفاً كأنه يسبح فى الهواء دون خمور. الأمل يزحف إلى صدره بعد أن هجره لسنوات طويلة حتى كان يعتقد أنه لن يعود أبداً.. التفت ليجد المصحف إلى جواره، لمسه بيد مرتعشة وجلة.. منذ أن رفض عرض الغجرية بالأمس و هو يشعر بقوة خفية تخرج من داخله، قوة جبارة لا يعرف سرها بعد أن كان يرى نفسه ضعيفاً هشاً فى مهب رياح الذكريات الحزينة فيندفع بقوة إلى عالم الرذيلة الحقير.
بعد صلاة الصبح بخشوع تام راح يقرأ فى المصحف، فى أثناء ذلك أتته الأفكار حتى شوشت على قراءته. أغلق المصحف و راح يفكر فى هدوء: بدأت رحلة الضياع من واحة سيوة، أى فى اتجاه الغرب من نهر النيل، لو أنه اتجه شرقاً سيعود حتماً إلى النيل، من السهل تحديد الشرق من خلال حركة الشمس. لو افترضنا أنه خلال الإسبوعين الماضيين اتجه غرباً حتى وصل إلى حدود ليبيا فإن المسافة لن تكون أقل من ستمائة كيلومتراً فقط، من يدرى؟ المهم يجب الاتجاه شرقاً إلى ضفاف النيل، سيصل إلى مدينة ما فى الصعيد، و من هناك يتجه مباشرة إلى الإسكندرية الحبيبة التى كان يقول لن أهجرها أبداً من أجل الشهرة أو المال، لن أهجرها مهما كانت الأسباب، و هناك يشترى قارباً يجعله مسكناً له ليعيش بجوار البحر، عشقه الأول و الأخير، يستنشق رائحة اليود، يستمتع بهدوئه العاطفى الحالم، و ينعم بعاصفته الجبارة. البحر هو الحياة ذاتها، كل الألحان مهما كانت مجرد محاولات لتقليد أصوات البحر، مستوحاة من أمواجه الهادئه حيناً و الهادرة حيناً آخر.
لكن كيف يستطيع الإقدام على هذه المغامرة دون أكل أو ماء. التفت إلى شجرة التين، كل ما عليها من ثمار لن يكفيه أكثر من يومين أو ثلاثة على أكثر تقدير، ماذا سيفعل بعد ذلك؟ من المؤكد أن الله لن يضله أبداً بعد الآن، لا يعرف من أين يأتيه هذا اليقين؟ لكن لابد سيقابل فى الطريق نخلة ما يتزود منها، رحمة الله واسعة... أعد نفسه لاقتحام الصحراء و فى قلبه و عقله عزيمة جبارة على قهر الصحراء. لم يجد فى حياته ما هو أسوأ مما هو فيه الآن.
رحل بكل ثقة و أمل، بكل جسارة و شجاعة، فى اتجاه الشرق، سار فى الصحراء لمدة يوميين متتاليين، لا شىء غير الرمال الصفراء المترامية الأطراف، جبال و صخور وعرة. رأى الحرباء التى يتحدثون عنها لأول مرة فى حياته على الطبيعة، راح يرقبها و هى ساكنة فوق الرمال لا تكاد تراها من تشابه اللون، ثم راقبها و هى تنتقل فوق الصخور الداكنة فتبدل لونها على حسب لون الصخر تماماً، يشبهون الإنسان الخبيث بأنه يتلون مثل الحرباء مع أنها بريئة تماماً من أى خبث، إنه دفاع شرعى عن النفس أو تحايل برىء من أجل الحياة. الخبث صفة أساسية من صفات الإنسان و ليس الحيوان. لماذا يطرح الإنسان الصفات الكريهة على الحيوان و يحتفظ لنفسه بالصفات الحميدة فقط؟ الأسد متوحش، النمر غدار، الحرباء خبيثه بينما يرى الإنسان نفسه ملاكاً طاهراً منزهاً من أى نقص. ما كل هذا الغرور الذى يتملك الإنسان كأنه يملك كل القوة و كل العقل مع أن فى الحقيقة عقلنا عاجزاً تماماً عن إدراك الحقيقة؟! كل هذه العلوم ما هى إلا أوهام، فى كل يوم تظهر نظرية جديدة تسخر من النظرية السابقة، فمن أين كل هذه الثقة فى عقولنا و أفكارنا؟!...
فى أثناء الليل تهب الذكريات الأليمة، و تهب معها أفكار الموت الذى لا يخشى شيئاً سواه لكنه لم يجد أمامه سبيلاً سوى التسليم به، إنه النهاية المحتومة لكل شىء. قال فى نفسه ساخراً من خوفه: ماذا سيحدث؟ سيفنى هذا الجسد و يتحلل و تصعد الروح إلى ربها، و هناك سيكون الحساب عادلاً، مهما كانت قسوة العقاب إلا أنه حساباً عادلاً، فليتحمل نتيجة أوزاره و ذنوبه بنفس راضية مطمئنة بقضاء الله.
فى اليوم الثالث ابتعد الأمل و هاجمه اليأس بضراوة. لا شىء غير الصحراء كأن النيل قد جف تماماً. معقول؟ يتمنى رؤية أى إنسان حتى لو كان صديقه الغادر "هانى" حتى لو كانت "سلمى" بعد أن شاخت و تجعد جمالها، تجاعيدها أرحم بكثير من هذه الصحراء القاحلة، حتى لو كانت الغجرية التى تملك الطعام و الخمر. أحشاؤه تتلوى جوعاً بعد أن نفد الطعام، أخرج كل أمواله من جيوبه و راح يتأملها، معى الأموال و لا أجد الطعام، ماذا أفعل، هل آكل الأوراق النقدية؟!..
رأى على مرمى البصر جبلاً شاهقاً، تبدو أسفله خطوطاً مستقيمة. قد تكون واحة جديدة، حث الخطوات لعله يستريح هناك لمدة يومين أو ثلاثة ثم يتزود بالغذاء حتى يكمل الرحلة. عندما وصل إليها وجدها شواهد قبور.. لم يرتعد لمشهد القبور الغارقة فى الصمت كالمعتاد، بل ابتسم فى ارتياح و هدوء، خر ساجداً شكراً لله. القبور تعنى إنه لابد من وجود أحياء بالقرب من هنا. اندهش عندما اكتشف اقتران الحياة بالموت. ترى هل هناك اقتران أيضاً بين اليأس و الأمل؟
صعد الجبل ليكشف المكان بحثاً عن الواحة القريبة، لم ير من فوق القمة سوى صحراء مترامية الأطراف. تخيل المشهد من سطح القمر مثلاً، ماذا سيكون مشهد الأرض؟ صحراء لا نهائية، ثم غابات و مستنقعات لا نهائية، يحيط كل ذلك بحور لا نهائية، و على سطح هذه الأرض اللانهائية لا يوجد أحد غيره.. تذكر قصه نزول "آدم" إلى الأرض، كان يعيش على كل هذه الأرض وحيداً بالفعل، يشعر الآن بمدى غربته و آلامه، ياله من عذاب أليم لا يُحتمل، أكل هذا العقاب القاسى لأنه أكل من الشجرة المحرمة؟ لو كان يعلم ذلك لما أكل منها أبداً مها كانت الغواية جميلة لذيذة. لكن الأمل موجود دائماً، رحمة الله لن تنتهى أبداً، بعد كل هذا الشقاء و البؤس عثر على أليفته "حواء" فكانت الحياة و الحب.. ثم كان الصراع و القتل بين الأبناء.
راح ينتقل بين أرجاء الجبل الضخم إلى أن عثر على جحر بجواره شجرة تين، فى مكان ليس بالبعيد عين للمياه، قرر الخلود للراحة يومين، جلس أمام مدخل الجحر و هو يأكل من شجرة التين. لا يعرف لماذا تذكر عندما كان يأكل السمك فى سعادة مع جده فى منطقة بحرى بالإسكندرية.
كان جده رجلاً متعلماً مثقفاً، يحمل شهادة الابتدائية فى الزمن الذى كانوا يمنحون لقب "أفندى" للحاصلين على هذه الشهادة. عمل فترة فى مهنة التدريس لكنه لم يستمر نظراً لنفاذ صبره. كان حاد الطباع حتى أنه يعتبر المجاملات بين الناس نوع من المذلة. الصح صح و الخطأ خطأ و لا نقاش فى ذلك، لا مبرر أبداً لفعل الخطأ مهما كان تافهاً أو بسيطاً. ترك مهنة التدريس بعد أن اكتشف فى نفسه عشق الخشب فأقام ورشة نجارة.
كان فناناً بارعاً فى نحت الخشب بصبر عجيب لا ينفد، يمكث أيام و ليال فى زخرفة سنتيمتراً واحداً، ثم ينام بعد ذلك أيام و ليال زاهداً فى العمل رغم كثرة زبائنه و إلحاحهم. برع فى فن النجارة حتى قدم أفخر الأثاث لأفخم الفنادق فى حينه، ذاع صيته حتى صنع أثاثاً لقصر رئاسة الجمهورية، و بالرغم من ذلك لم يتفاخر أبداً أمام أحد، بل كان يتعمد إنكار موهبته فى تواضع شديد. عاش فقيرا و مات فقيراً. لا يجيد فن التعامل مع الناس إطلاقاً، لا يتعامل مع أحد برقة و لطف سواى أنا فقط.
كما كان عاشقاً للخشب كان عاشقاً للبحر و المأكولات البحرية، عاش معظم حياته على أكل السمك المشوى، يأخذنى معه إلى القلعه، ندلف من بوابة صغيرة مجاورة لنصل إلى الحاجز الصخرى الذى يحيط بالميناء الشرقى، نجد هناك الصيادين كل منهم فى يده البوصة و فى قلبه صبر "أيوب". يقلب فى القفة المجاورة لكل صياد ليختار سمكة واحدة أو اثنتين من كل صياد، لا يحدث أى منهم إلا بكلمات قليلة مختصرة، و عند الخروج من البوابة يدفع الثمن لشيخ الصيادين. نعود معاً إلى البيت. بالرغم من أن جدتى طباخة ماهرة، و بالرغم من وجود خالاتى الكثيرات إلا أنه يهوى شى السمك بنفسه. أجلس بجواره أشم الرائحة فيسيل لعابى، يبتسم لى فى هدوء. يضع الأسماك فى طبق ثم يضع فوقها الملح و يغطيها بطبق آخر و يتركهم حتى يعرقون لمدة نصف ساعة. ثم نجلس نأكل سوياً. يختار لى أطيب و أشهى الأسماك، و بعد أن أشبع يضع لى سمكة أخرى و يصر أن آكلها حاف.
عندما يأتى المساء كنت أخشى الخروج إلى الشرفة الكبيرة المظلمة. طوال حياتى أخشى الظلام. كان المنزل من المنازل القليلة المرتفعة فى المنطقة المواجهة لباب الجمرك حتى أننى كنت أرى أدق تفاصيل الميناء من الداخل، كان هناك ونشاً ضخماً ثابتاً. الونش شامخاً أعلى من المراكب، يبدو فى الظلام كأنه شبح عملاق أو شيطان ماكر.. لو كنت أعلم شيئاً عن الشياطين الكامنة فى الصدور لأمضيت كل حياتى بجوار هذا الونش.. كنت أنام بجوار جدى. أضع رأسى فوق صدره و أسمع نبض قلبه الذى كان الجميع يصفه بالغلظة بينما لم أشعر أنا بهذه الغلظة قط. أستيقظ فى الصباح الباكر لتسألنى جدتى عما أريد فى الإفطار. كثيراً ما كنت أطلب الفطائر بالسكر، آخذ منها النقود و أنزل أجرى فى الشوارع الهادئة الخالية، كانت الشمس فى هذه الأيام حانية دافئة. لم تكن أبداً مثل الشمس الحارقة التى قست على الدنيا بعد أن كبرت..
ما أن تعلمت قيادة السيارات حتى أخذت السيارة بدون علم والدى. اتجهت مباشرة إلى المقهى المفضل الذى يجلس فيه جدى. عندما رآنى أركن السيارة بخبرة المبتدئ ابتسم قائلاً: لقد كبرت يا ولدى، غداً ستأتى إلى و معك خطيبتك ثم تشترى سيارة خاصة بك. الأيام تجرى سريعاً. لمح فى عينيى بريق السعادة و كأنه علم بالغرور الذى يجيش فى صدر المراهق، فرفع إصبعه فى وجهى و قال محذراً:
- احذر السيارة يا ولدى. السيارة يركبها شيطان مغرور. تجلس داخلها فى هدوء، تلمس بقدميك البنزين فينطلق الوحش الثائر، و عندما تشعر بسيطرتك على هذا الوحش يمتلكك الغرور الذى تكون نهايته فاجعة.
فى خلال بضعة أيام مرض جدى بالحمى الصفراء. دخل مستشفى الحميات فى قسم الأمراض المعدية. رفض كل الزيارات خوفاً على الناس من العدوى باستثناء خالى الكبير فقط. ذهبت إليه أكثر من مرة لكنه رفض زيارتى بكل شدة. فى المرة الأخيرة أصررت على الدخول إليه بعد أن أزحت خالى جانباً بكل قوتى. ما أن رآنى جدى حتى صاح فى لكى أخرج قائلاً: أنت مازلت عوداً أخضر لا يتحمل المرض. تقدمت نحوه و قبلته و هو يحاول بكل جسده المريض العجوز التملص منى، طردنى و هو يقول: سأموت غذاً. أتمنى لك حياة سعيدة إن شاء الله. تركته باكياً داعياً له بالشفاء.
مات جدى فى اليوم التالى. حضرت جنازته، تعاونت مع الرجال مذهولاً فى حمله و إنزاله القبر. كان قبراً مظلماً مخيفاً. أهالوا عليه التراب. دك الحانوتى التراب بقدميه المتسخين كأنما لا يوجد إنسان هنا. وقفت فى الطابور لأخذ العزاء لأول مرة فى حياتى. بعد انصراف الناس عدت وحدى إلى القبر، قرأت له الفاتحة و أنا أبكى. طلبت له الرحمة من أعماق قلبى. التزمت بالصلاة فى مواقيتها لا لشىء سوى لطلب الرحمة لجدى.
بعد أن ماتت جدتى و تزوجت خالاتى انقطعت أقدامى عن بحرى تماماً. لم أذهب إلى هناك إلا بعد أن فشلت فى الوصول إلى قلب "رشا". فى هذه الأيام كنت أحن كثيراً لهذا المنزل الذى كان عامراً بحب جدى و جدتى و خالاتى. أذهب إلى هناك أتأمل المبنى العتيق، عندما أصل إلى الباب بالسيارة أشعر بقدمى عاجزة عن الضغط على دواسة البنزين، أجلس فى نفس المقهى الذى كان يجلس فيه جدى.. ترى ماذا سيكون حال هذه الشقة الآن؟! أعلم جيداً أنه لم يسكنها أحد بعد ذلك، لا شك فى أنها ستكون خربة عفنة كأن لم يكن هناك أناس يعيشون هنا، برقت عيناه وهو يقول فى نفسه: و لماذا لا؟... عندما أعود إلى الاسكندرية أشترى هذه الشقة و أمضى بها بقية حياتى...
عندما هبط الظلام الموحش فى الصحراء الشاسعة دخل إلى جحر لينام. عاودت الذكريات هجومها العنيف. وجه "سلمى" لا يفارقه أبداً بابتسامتها الصافية الحانية و هى تمنحه كل شىء دون مقابل. وجه "رشا" لا يفارقه أبداً، نجح والدها فى أن يعلمها أن الحياة أخذ فقط دون عطاء أبداً، إعلانها أمام الجميع بأنه ليس الإنسان الذى فى خيالها يرن فى أذنيه لا ينقطع طوال حياته. ترى هل تعلم مدى تأثير هذه الكلمة؟ هل تعلم ماذا حدث لى بعدها؟... هل تعلم أين أنا الآن؟...
ابتسم فى سخرية عندما تذكر كلمة جاره المقدم "درويش". كان يقول إنك إذا أرحت الجندى أتعبك، وإذا أتعبته أراحك.. يبدو أن النساء مثل المجندين. أتعبت "سلمى" فأصبحت لا تتمنى شيئاً سوى إرضائى، أرحت "رشا" كل الراحة فرفضت سماع أية كلمة. بالرغم من ذلك لا طريق إلى النوم سوى الحلم المر بالتمثال الرومانى.
* الفصل التاسع، الخميس القادم، إن شاء الله.
حسام أبو سعدة.
hossamaboseda@gmail.com

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق