*بخمسين قرشا زرعت حديقة ورد في لحظاتي الحزينة :*بقلم وألوان خالد سليمان
*********************************************************************
صائم أنا عن الكتابة منذ أشهر ثلاثة ، ولكن ليلة أمس أفطر قلمي على موقف ليس في حسابي ، فقد انتابتني حالة حزن عاصفة جعلتني أتضجّر من مكاني ، من ملامحي ، من كل الدنيا ؛ فقررت الخروج إلى الشارع ، والله وحده عليم بي ، وأطياف من رحلوا ، وفارقوني تتسلّل إلى خاطري وبالي ، وتحزن قلبي ، وتجعله لا يهدأ ، بل يتدثّر في أزياء الحزن الرمادية .
الشوارع خالية نائمة ، وظلّي الكئيب يدعوني للعودة إلى كهف أحزاني .
وبينما أنا كذلك ، قادتني خطواتي إلى صيدلية صديق لي ، عهدته يسهر إلى الثانية عشرة ليلا ، استقبلني بحفاوة ، وطلب منّي القعود بجواره ، ولكنّي أبيت ، فلا أريد إرباكه ، وهو يمسك بآلته الحاسبة ، ونظارته الطبيّة الجادة ،
وقلت : لا يا طبيبنا الغالي ، لقد تحولت الصيدليات إلى سوبر ماركت ، وصار من يتعامل معكم يفاوضكم في السعر ، أين أخلاق المهنة ؟
وصرنا نتبادل أطراف الحديث ، وحاولت أن أخفي أحزاني وضجري ؛ ظنا منّي أنّ زيارتي له قد جلت الحزن عن صدري ، ولكنها لم تفلح ؛ فقررت الخروج ،
وما هي إلا لحظات ، وتتوقّف سيّارة ، وتدخل سيّدة تحمل طفلها الرضيع ، وتسأل الطبيب عن أنواع معيّنة من الأدوية ، وقد رحّب بها الطبيب : قائلا والله يا دكتورة فيه أزمة في هذا الدواء . وبينما عيناها تتجوّلان في المكان ، توقّفت عندي مرة بعد مرّة .
واسترعى انتباهي نظرها المتتابع لي ، وخاصة أنّها مجهولة بالنسبة لي .
ثمّ انتقلت خطوتين ؛ لتناقش الطبيب في استشارة معيّنة ، ودار همس كنت أنا موضوعه ، ولكنّي لا أسمع ولا أهتمّ ،
ثمّ عادت بخطواتها قائلة : حضرتك الأستاذ خالد ، فانتبهت لكلماتها ، وقلت أنا هو وهو أنا ، خير ، فقالت ببسمة ملأت وجهها وملامحها ، هل تذكرني ؟
فقلت : لا ، والله ، لعلك كنت طالبة ، أو جارة ، لا أدري من حضرتك ؟
فقال صديقي : إنّها الدكتورة شيماء عبد الرحمن ،
فابتسمت ، وقالت : من حقك أن تقول هذا يا أستاذ خالد ، ولكنّي لو مرّ ألف عام ، لا أنسى ملامحك ، فابتسم الطبيب لي وقال : يا أستاذ خالد ، هل ينسى أحد مثل تلك الوجوه الطيبة الجميلة ؟
فقلت : والله يا مجدي لا أعرفها ...
وقلت : طيّب عرّفيني بنفسك .
فقالت : أنت لا تعرف اسمي ، وما كنت يوما طالبة لديك ولا جارة ولا قريبة ،
فقلت بدهشة : طيب عرّفيني بنفسك ،
قالت : هل تذكر الطفلة التي كانت تبكي بسبب وقوع كيس الفول التي كانت تحمله ؟
فقلت : فول وكيس وطفلة ، هذا مشهد معتاد ، فهل من الممكن أن توضّحي أكثر .
قالت متوجهة لصديقي الدكتور مجدي وهو مدهوش أكثر منّي :
ذات صباح كلفتني ، والدتي بإحضار الإفطار لإخوتي ، وذهبت لشراء فول وطعمية ، وبعض المخلل وبعض الأرغفة ، فنظرت لمجدي ، وما المدهش في الموضوع ؟ .
ولكنها واصلت حديثها ، ونظرات الدهشة تتملّكنا ، وماذا بعد ؟
وقالت : وبينما أنا أحمل كلّ هذا ، كان كيس الفول ساخنا على يدي ، فأردت إبعاده فسقط على الأرض منفجرا ، واستحضرت قسوة أمي وعنفها ، وحاولت - وأنا باكية دامعة حزينة - أن أجمعه ولكني فشلت وعجزت ، وبينما أنا كذلك مرّ الأستاذ خالد مسرعا ، ثمّ التفت ؛ ليجد طفلة باكية دامعة ، فعاد لي متباطئا قائلا : مالك يا حبيبتي ماذا حدث ؟؟؟؟
فلم أردّ عليه ، وواصلت بكائي ودموعي ، وفوجئت به يربت على كتفي ، ويقول : ما بك ؟ هو الفول اللي وقع ده بتاعك ؟؟
وهنا قلت : نعم وأمي هتموتني من الضرب ومش عارفة أعمل إيه ؟
فقال لي : بكم هذا الفول ؟
فأصابني الخرس ، ثمّ انفجرت باكية ، وقال : قولي بدون بكاء فقلت : الفول ثمنه خمسون قرشا ، فقال : طيب لا تبكي ، وخذي خمسين قرش ، وهاتي فولا بسرعة ، حتى لا تتأخري على أمّك .
وتناولت منه الورقة المالية ، وأحكمت أصابعي على ما معي ، واشتريت الفول ؛ لأجد أمي على الباب قد قلقت على تأخيري ، ووبختني للتأخير ، ومرّت الأيام وهذا الموقف عالق في ذاكرتي لا أنساه أبدا ، فلقد رحمني من علقة ساخنة لن أخرج منها إلا وأنا منكوشة الشعر ، محمّرة الجلد ، فضحكت ، وضحك صديقي ، وقلت : بجد أنت لسة فاكرة ؟
فقالت : طبعا ، والله يا أستاذ مستعدة أوصف لك ملابسك أيضا ، فابتسمت وقلت : بجد ده حصل منّي ؟
فقالت : عمري في حياتي لا أنسى هذا الموقف ، ولا أنساك ولو كنت وسط الملايين ،
جزاك الله خير يارب ، وهنا انجلى عن قلبي حمل ثقيل كنت أحمله ، وهي تودّع المكان قائلة : ربنا يكفيك شرّ المرض يارب لو احتجت أي شيء ، اترك الدكتور مجدي أنا كفيلة بالبحث عنه وإيجاده ، ربنا يجزيك خيرا على ما فعلته معي .
وانصرفت ، وهو يقول : الدكتورة شيماء هذه من أطيب الناس ، وعلاقاتها بالناس محترمة جدا ، فابتسمت وقلت : سبحان الله ذاكرة الطفل لا تنسى أبدا من أحسن إليه ، فما بالك بمن أساء إليه ، فقال : ولكن ألا تذكّرت هذا الموقف ؟
فقلت : فقلت ربّما حدث منّي فعلا ، واستأذنته ، وأنا أشعر أنّ الشوارع قد امتلأت ورودا تلقي بأوراقها عليّ .
ونظرت للسماء لأرى ورودا ماسية تهمس في ملامحي فتتألّق خطواتي ، وعدت إلى بيتي بغير الملامح التي خرجت بها .
قد تفعل المعروف البسيط بالنسبة لك ، وهو العظيم بالنسبة لغيرك ، لا تحقرنّ من المعروف شيئا ، حتى ولو كان فولا بخمسين قرشا ، فقد يأتي يوم القيامة وأنت لا تدري تقدير الرحمن الرحيم له ،
كم من آلاف المواقف مرّت من ماركة ( فول بخمسين قرشا ) ، وأنت لم تحاول أن تزرع معروفا ، فقد يتحوّل لحديقة فرح تبهج القلب كما أبهجت قلبي لياليَ طويلة .
اللهمّ تقبّل يارب ، اللهمّ تقبّل يارب .
كم من المواقف من ماركة (فول بخمسين قرشا) تنتظرنا ، وهي مكافآت أعدّها الله لمن يستحقها ، وإن خلت حياتك من المواقف التي تكلفك الكثير ، ولكن هناك آلافا من المواقف البسيطة تنتظرك ، فلا تتأخر عنها ،
فبعد هذا الموقف قررت في داخلي أن أقف كلّ صباح على نواصي الطرق أراقب أكياس الفول المنفجرة ، وادع الله أن يرزقني ولو بكيس فول منفجر كلّ صباح .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق