أحاديث الماء...أخيرة...
جلس شيخ إلى جانبي لوقت طويل ...كان يغرق معي في ثرثرات لا تنتهي...يحكي أنه عاش المغامرات تلو المغامرات لسنين مضت ...بنى فيها ركاما من الحجارة..منزلا.. كان يتوسده كل يوم تحت رأسه...لا شيء يذكره سوى حياته المتواضعة...ولما طال به الحديث،بدأ يحكي عن النساء...يحكي أنه عاش مع زوجته سعادة أبدية وكآبة لا تنتهي...بدأ يتنهد وهو يقول: كلما كان غروب شمسها يضيء ليلتي ،كانت تخرج إلي في حنو لأتربص بتربتها العبقة وينحل تجاذبها الجواني في تصادم شبقي....كانت تعشقني ،فأدعو جغرافيتي لتنزاح فوق جغرافيتها وأنا استلقي على سريرها...كانت أنفاسنا تتقاطع في ملئ نشوتنا وفي التباس يتعذر تكرار دلالاته....وإذا لامست يدي مرة أعتصر ورودها من سهامي التي تسقط علي وأنا في عز الشباب...واليوم، بدأت تبتسم لتعلن لي عن سقوط أوراق توت خريفها...لم تعد تتذكر مسالك سريان المياه المجهولة التي اخترقتها،ولم تعد تشتم رائحة تدفق أطفال حضنتهم بين مفرقيها وقد كان صراخهم يتفجر في وجهها...نعم إنها الآن تبتسم لي وكأنها تذكرني بدعواها لي بمرور أيام شبابها...فقلت له:واللهإنك لرجل سعيد ،وهي امرأة صادق،فقد علمتك التحرر والنطق والتفكير،وعلمتك الكثير من أسرار النساء ففكت عقدة لسانك وأضافت ذوقا جميلا إلى سمعك.....وزاد حكيه ليستفيض وهو يتابع رواياته الواحدة تلو الأخرى:كانت ملامحها تخدشني بعنف لأقدم لها قربانا تحت فضيحة جسدينا وتحت طقوس الأناشيد السحرية....ثم،توقف عن الكلام...توقف فقط ليقول:توفيت زوجتي العجوز بين يدي....وأوصتني بألا أبكيها وألا ألبس ثوب حداد بعدها...كما نصحتني بان أزين ذقني وان أمشي مشية حثيثة حتى تتقاطع طريقي بطريقها إذا ناداني خيالها...وأوصتني أن أرسم بالحناء قمراعلى يدي يقيني من شرور نساء أخريات...
سكت طويلا بجانبي ليفتح فسحة لحوارآخر معي، ثم سألني:وماذا عن مجايليك آت من النساء؟
فقلته: إني اكتويت بلعنتها...إنها جرعتني على غرغرة عذاب العشق...وحرقت حرارة عشقها قلبي...يوميا ،عيناها تحدق بي ولا ترعيانني...حاجباها الأسودان دون كحل كانا قوسين يفتكان بقلبي الحنين..وابتسامتها الثلجية كانت تزيد من رعشتي في أيام القر الباردة.. قتلتني.. ومل زالت تقتلني...كانت ترتدي وشاحا شفافا يغطي شعرا ينساب على خصرها... تجنح به في نظرات مركزة إلى لا شيء...وكل خيالاتها سهام منصوبة لترشق صدري الحنون ...قلما ما كانت تنبس بكلمة إذا أنا همست لها ...وإذا مرت أمامي كان خوفها يتملكنيبفزع لا ينتهي...وإذا أمرتني أن أجلس على ركبتي..أجثو..لأن في قعودي متعة الرؤيا...وإذا هي تكلمت،أذوب بين يديها ... تقشعر أنفاسي وأنا أتأمل النار والوقود ...أود لو أناولها الحطب لأتذوق ألم حرقها...كانت فيها آياتي...فيها كل أنظمتي...وفيها دوران الفلك كله...كانت تقتلني وتحييني،حين تتحرق كل مفاصلي من أجلها لتلد أمة جديدة مثلي ومثلها.......
فقال لي:أنت أسعد مني لأنك كنت تحبها ...وسكت وسكتت معه لأنه عاش زمنا آخر غير الزمن الذي أعاني فيه ...
احمد انعنيعة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق