إلى الغائبة التي لا تغيب ، وإلى الراحلة التي لم ترحل ، خاطرة أهديها إلى زوجتي – رحمها الله :*بقلم وألوان :*خالد سليمان
*أول صفحة من كتاب الحزن :*بقلم وألوان خالد سليمان
---------------------------------------------
كم كنت أرجو أن تمتدّ بك الأيّام ، وأسبقك إلى حافة العمر ، وأقع في بئر الموت وحدي
أموت دون أن أذوق نار فراقك
أموت ، وآخر صورة تطبق عليها عيني صورتك أنت
أموت ، وأهدابي تغمس نفسها في بحيرة ملامحك الوسيمة
أموت ، وعمري قد زيّن أيامه بحضورك فيه
أغيب أغيب دون أن أرى سكّين فراقك يسافر في ثنايا روحي
كنت مضادا للحزن وشوك الغم
ولما رحلت ؛ افترستني الأحزان ، وسكن شوك الهم والغم مكان وردك
تمنيت للحظة أن أتعلّق في ثياب عمرك ، وأمنعه من الرحيل
لكنّه الأجل المسمّى الذي حدّده أرحم الراحمين ، ونعم بالله خالقا ومدبّرا.
رحلت فجأة دون سابق إنذار
وهذا من رحمة ربّي بنا حين يفارقنا من نحبّ
ولا أنسى ليلتها أنّي عدت إلى بيتي ، وكأنّك فيه لم تفارقيه
وتناولت عشاءك معي ، وشربنا قهوة المساء في شرفتنا جارة القمر
وفي منتصف الليل صحوت فجأة أتلمّس فراشك
صدمتني العودة الباكية لأصابعي وهي خالية منّك
آه من بكاء الأصابع ، حين تسرع لتمسك بمن نحبّ
ثمّ تعود دامعة منكسرة مرتعشة تغلق نفسها على نفسها وتبكي
وتأتي طعنة فراقك ، فالأمر حقيقة وواقع ، ويتنهّد قلبي هامسا : خفّف عنّي يارب
وتأتي صلاة الفجر تربت على القلب ببرد رحمة ربي ؛ فيخرج الدعاء أخضر دافئا
فتردّد الشفاه بهمس دافئ : اللهمّ ارحمها وعافها ، واعف عنها
وأنظر لرحلة العمر أراها دامعة حزينة مكتئبة
تفوّقت في مشاعرك نحوي
ملأت ثنايا حياتي ولحظاتها بورد المواقف الأنيق
لا توجد لحظة إلا وزرعت فيها نبل أخلاقك ووسامة طباعك
ولا توجد خطوة إلا وفيها أمل يحبو
مازال في العمر الكثير ومازالت صفحات أيامنا تستعرض ذكرياتها
آه من حضور الذكريات حين تحتشد وتصطفّ كلّ يريد استعراض ذاته
انتهى عمرك في الدنيا لتبدأ أعمار جديدة في عمري
نحن نفهم الفراق بطريقة سخيفة
فحين يفارقنا إنسان نصفه بالخيانة أو نصف القدر بالظلم والقسوة معاذ الله
بل إن فراقك زرع في يقيني ألف وعد باللقاء في عالم أجمل وأجمل
فارقنا إنسان ونحن نحبّه هذه نعمة فلو ظلّ معنا أكثر ؛ لرأى أسوأ ما فينا ، ورأينا أسوأ ما فيه
وأنت فارقتني وأنت في قمّة عطائك فما رأى القلب لك هفوة
وامتدت رئة الأمل عندي لأن ألقاك في الجنّة وهذا لحسن ظنّي بربي
واكتشفت برحيلك أنني كنت أعيش في جنّة الدنيا
فالعمر بجوارك قمّة الإنعام من ربّي
رحلت وأنت تسكنين غرفة القلب
والروح متعلّقة بك
أنت الآن بفضل الله ورحمته في عالم أفضل
بينما أنا أعيش على وعد ربي الكريم بلقائك
لم تعد في عمري آمال
فرحيلك انتهى معه آخر أمل
يحسدك بعضهنّ على مشاعري نحوك
وآه لو يعلمْن أنّ مساحة مشاعري تفوق مساحة الكلمات والتعبيرات والصور
أردت أنْ أخبرهم أنّ الموت باب لعالم أجمل وأفضل بإذن الله
وربّما أتجرع وحدي نار فراقك ؛ لينعم عليّ ربّي ببرد لقائك وسلام حضورك
فمن قال للنار كوني بردا وسلاما ، وحده الذي يجمعنا في مستقرّ رحمته .
وأظلّ أردّد بيني وبين نفسي : في يوم من الأيام كنت هنا
وفي يوم الأيام سنلتقي فما أحلاه من أمل !
أمل يربت على قلبي ؛ لينطفئ جمر فراقك لحظات
وتستمرّ مسيرة الأيام بدونك وهي انتظار لوعد الله الجميل
كان فراقك جرح عمري الوحيد الذي هزمني بل كسرني
وكلّ لحظة تمرّ بدونك ترشّ الملح على جراحي
ولكنّ رحمة ربّي بوعد اللقاء تجعل الألم يزول ويختفي
حبيبتي ، أراك وآنس بملامحك رغم ما يزعمون أنك اقتربت من العام الثالث من الرحيل
أراك وأسمعك وأتبادل الضحكات معك
وأتعاطى معك حبوب الألم على ما يحدث في فلسطين
كانت فلسطين طفلتنا معا كنّا لا ننام لو أصاب قلبها حزن أو ألمّ جرح بروحها
أراك وأخطو نحوك وأسمعك وأنادي عليك وتزوريني في يقظتي وتبهجين مناماتي
حبيبتي ، أراك تسكنين قلبي رغم مرور الأيام تحضرين في أيّامي أكثر
وأنتظر إكرام ربّي بي برحمته أن أراك في عالم لا فراق فيه ولا حزن ولا وصب
اللهم اكتب لقاءنا برحمتك
اللهم اجمعنا في الجنّة كما جمعتنا في الدنيا وأسعدنا بحسن ظننا فيك
اللهم من كان مثلي وغابت عنه روحه وغاب معه اسمه ورسمه
اللهم اجمع شمل كل حبيب فيك يارب العالمين

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق