السبت، 10 مارس 2018

تفاحة ودمعة ، بقلم وألوان : خالد سليمان



تفاحة ودمعة ، بقلم وألوان : خالد سليمان
************************************************
موقف هزّ قلبي من أعماقي ، فمنذ ساعتين خرجت إلى شرفتي أتأمّل وردي وحديقتي المفضّلة ، وبينما أنا في تأملي الخاطف ؛ سمعت صوت طفل يردّد كلمات غير مفهومة ؛ فازداد فضولي ؛ لأعرف موضوع اليوم ، ولفت نظري أنّه يمسك بتفاحة بحجم رأسه تقريبا ، وخفت عليه أن يسقط من الشرفة ؛ فناديته ؛ فنظر إليّ وهو يحتضن رأسه أقصد تفاحته بنظرات تشبه نظرات الممثل علي الشريف - رحم الله الطفولة وبراءتها - ولم يهتم بي ، وظل يردّد مقطعا غريبا على مسامعي ، كل ما فهمته منه نداء : يا بحر يا ، يا بحر يا ، وما لبثت التفاحة أن سقطت من يده هاربة من فظاظة ملامحه وقسوة صوته ، وضحكت سعيدا بفرار التفاحة من أنياب ضبع شرس ، فنظر إليّ نظرات الممثل علي الشريف حين يغضب ، وسقطت التفاحة ؛ لترتطم بالأرض ، وتأوي إلى ركن البيت ، وأثناء نزولي ؛ لفت نظري سيدة تجلس على رصيف البيت بملابس رثّة بسيطة ، والعجيب أنني رأيتها تقضم تفاحة ؟؟ ماذا إنها تفاحة ابن الجيران ، وهي تجلس بأناقة تقضمها كما لو أنها تقول لي : أنا معي تفاحة ، وأنت لا ، فأخذني الفضول ؛ لأبحث عن تفاحة ابن الجيران ، ولكنها هي هي ، وقد قامت السيّدة ؛ لتغسل عنها الأذى ، وتقول : الحمد لك يارب يا كريم ، اكرمني وارزقني يارب ، واقتربت منها ، وقلت : هل حضرتك تسألين عن أحد ؟ ، فقالت : لا ، أنا أحببت أن أجلس على الرصيف هذا بعض الوقت ، فهل أضايقك ؟ فقلت : أنت تشرّفيني يا حاجّة ، ثمّ سألتها : أنا في الطابق الخامس فهل يمكنك أن تقابلي ابنتي تقدّم لك شيئا ؟؟ فقالت : أشكر لك كرمك ؛ فخيركم سابق ، لقد أكرمتموني بتفاحة ، وأنا أسمع عن التفاح حروفا فقط ، وأراه في محلات الفاكهة ولكنّي لم أفكّر يوما في الاقتراب منه ، لأن كيلو التفاح يشتري ثلاثة كيلو أرزا ، ولكنّ ربنا الرزاق مقسّم الأرزاق رزقني تفاحة ، وابتسمت ، وقالت : وأخيرا ذقت التفّاح ، فقلت لها : تفضّلي ؛ نقدّم لك أيّ واجب ، فشكرتني وانصرفت ، تاركة إياي في ضجيج مما قالته ، وراقبتها لأتذكّر عظمة مساحة الرضا التي لديها ، وجال في تفكيري رحلة هذه التفاحة المستوردة من أقاصي العالم ورحلتها منذ زراعتها ؛ حتى وصلت لهذه الروح البسيطة .
في المجتمع الواحد تجد من ازدحمت في جسده الشحوم حتى زاد وزنه ، وفي اللحظة نفسها تجد من يحلم بكسرة خبز أو نقطة ماء نظيفة أو قضمة تفاح هاربة من أنياب صاحبها الضبع ، تناقض عجيب يسكن هذا المجتمع ، استشرى الظلم فيه وغاب العدل ، وباتت موازين الأمور تتخبّط ، وداست تروس الواقع البسطاء والشرفاء ، وما يبكيك أنّك تدخل مكانا كبيرا للمأكولات الحديثة ؛ فترى لافتة تقول : اشتر مئة جرام شايا من نوع كذا واربح وزنك ذهبا ، وبعدها بخطوة تجد صندوقا باكيا يقول : ادفع جنيها تنقذ يتيما أو مسكينا أو مريضا ، 
تذكّرت هؤلاء البسطاء الشرفاء وما أكثرهم ! وآلمني أنّ ضغط الظلم سيقضي عليهم ، أو سيحوّلهم إلى معاول هدم وقضم لأمننا وراحتنا ، إنهم الذين قال القرآن فيهم : ( يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفّف ) ، ابحثوا عنهم ، وبدلا من أن تلقوا إليهم بفضلات موائدكم وتفاحاتكم ؛ حافظوا على وردة تعفّفهم ؛ لأنّها لو ذبلت ؛ لصار مجتمعنا غابة مع تقديري لقوانين الغابة العادلة عدالة تفوق مجتمعات المثقّفين والنخبة الواعية ؛ التي كلّ مؤهلاتهم رباط عنق أنيق وعطر باريسيّ الموطن ، ورؤوس تحتاج للتنظيف والتلميع أكثر من أحذيتهم .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق