الجمعة، 2 مارس 2018

وفي أنفسكم أفلا تبصرون؟! (2) التنافس بين الظاهر والباطن:أحمد الشيخ علي، والأستاذة نوار الشاطر صاحبة الفكرة.

وفي أنفسكم أفلا تبصرون؟! (2)
التنافس بين الظاهر والباطن:
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين. 
إخوتي وأخواتي الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد:
فإن الحديث عن الأضداد، هو عينُه الحديث عن الطباق في البلاغة، وهو عينُه الحديث عن وجهين لشيء مّا كالعملة، والفقر والغنى، والعلم والجهل، والكفر والإيمان، والكرامة والذل............
وإلى سلسلة لا نهاية لها من المتضادّات شكلاً، والمتوافقات المتكاملات جوْهراً أحيانا، ومن المتضادات المتنافرات شكلا ومضموناً أحيانا أخرى. 
أي: أحيانا كثيرة يكون الظاهرُ نقيضَ الباطن، عن منهج واعتقاد وسابق تصوُّر، وأفصح ما يكون ذلك في المنافقين. 
وأحيانا كثيرة يشفع الظاهرُ للباطن، والعكس صحيح، وأفصح ما يكون ذلك في الذين تظلمهم مظاهرهم، فلا تٌبْدي أصالة معدنهم ولا بياض قلوبهم، وذلك إما لذمامة في الخِلقه، وإما لسوء منطقٍ مَردُّه لباقة متعثرة، معوّقة... 
وأحيانا أخرى يتطابق الظاهر مع الباطن، كأنهما عينين في وجه سموح بشوش تقي...!
أما الطباق فهو تكافُل وتكامُلٌ، كطباق اليمين واليسار، والليل والنهار........
والطِّباقُ في كلِّ نماذجه مآلُه إلى خير، ولا يتسرب إليه زيْغٌ ولا يُغريه باطل.
أمّا الظاهرُ والباطن، فهما على (حاليْن)، أحدهما كحال الطّباق كُلُّه خيرْ..
وثانيهما، كحال النّقيضيْن المتنافريْن منشأ ومآلاً وبينهما برزخٌ قيَميٌّ لا يلتقيان..

وفي هذه العجالة سوف لا نتعرض إلا لِنِدَّيْن (حميمين). 
طوْراً نراهما كرِجْلٍ ترتاح على نظيرتها، ويَدٍ تؤازر أختها.
وتارة نراهما كوجه المؤمن يعكس نضارة قلبه وصفاء سريرته....
وفي زحمة المصطلحات، ليس من المناسب أنْ نُغامرَ ونخوضَ في محيطها المتلاطم دفعة واحدة، خشيةَ الغرق أو خشية ألاّ نصلَ إلى برِّ الأمان، وذلك لكثرة أصولها وفروعها العنكبوتية، المُغرِّرة المُضللة. 
وعليه فسيتركز هذا البحث على عنصريْن لا ثالث لهما ليتسنى عرضهما وتحليلهما في أغلب الأوْجه التي يَرِدان بها في حياتنا اليومية، أفراداً وثنائياتٍ وجماعات.
وفي ثنايا هذا البحث سوف نبرهن بما لا يقبل الشكّ عن أنّ ثنائية الظاهر والباطن، كثيراً جداً مّا أغْرتْ شِراكُها فأوقعتْ في حبائلها الحصيفَ والغبيَّ، والمتعلمَ والجاهل، والأعمى والبصير....
ما دامت الضحيةُ مُنساقةً في قطيع المألوف، والعُرف، والعادة، والمتْبوع، دون أيّةِ إرادةٍ تقف عند مفاصل الأمور وتتبصّر في جواهرها، وتُميّز بين المختلف والمؤتلف، وبين الغث والثمين.
وحيال هذا الامتداد اللانهائي يتسع الميدانُ، بل تتسع كلُّ ميادين الحياة إلى (المُطلق)، لتشهد تنافسَ النّاجين مع الغارقين، والواعين، مع المغفلين.......
ولتتنامى الثنائياتُ المُدهشة، وليتمايزَ على مِنَصّاتها المُتنافسون، وتتألقَ على صُدورهِمُ العامرةِ الناشين.... 
ومع تدفُّق سيالات الحياة، فإنها تتعدّد طرْداً مع حالات الظاهر، وحالات الباطن، حين التناقض، وحين التكامل الموجب والتعانق الحميمي.
ومن عظيم المصادفة أن نبحث في اسميْن يشكلان قوام أكرم مخلوق، وهما في الأصل من أسماء الله الحسنى( الظاهر والباطن)..
بل وهناك ما يُغبِطُ الإنسان على حفاوة خالقه جلّ في علاه به، فقد نسبه سبحانه إليه بياء النّسبة، وأحيانا يخاطب الخلاّق العظيم عباده من غير ياء النداء، ولنا في (فواصل) الآيات تكريم من خالقنا الكريم، لو بذلنا من أجله أعمارنا شكرا لما وفّيْنا نقطة من هذا المحيط المبين، لقد ختم بديع السموات والأرض أكثر آياته بأكثر أسمائه الحسنى لتتجلى بهذا الود الرباني وجوه رحمته على قلوب الأتقياء الصالحين، ولتقشعرَّ جلودُهم خشية، ولتثيرَ هذه الحميميةُ أقصى طاقات العاطفة الروحية المطلقة تقُرْبا من الخلاق العظيم الرحيم، وطاعة لأوامره، وانتهاء عن نواهيه، كيف لا والمؤمن موعود بجنه، عرضُها السموات والأرض أعدت للمتقين، اللهم اجعلنا منهم. 
بعد هذه المقدمة كان لا بُدّ من استحضار ما يُمْهِر ادعاءنا بختم الشاهد الحق الذي يُفحم، ويُبلِّغ كإبلاغ الشمس في رابعة نهار تمّوزِيْ.
وإن كان لا بدَّ من عنوان لأي بحثٍ الإنسانُ مِحْورُه، فلا أجد أنسب من الآية الكريمة: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون)؟!
وهذا العنوان بمثابة المفتاح الذي لا يوصد باب في كيان الإنسان دونه. 
ومن أهم الفتوح إن أراد المتأمِّلُ المتفكِّرُ الظفرَ بكنوزها، هي التي يختصرها (ظاهرُ الإنسان وباطنه).
فلتكن بدايتنا مع ظاهرٍ كظاهر السّراب في ظهيرةِ صحراءٍ قائظة..
تُزْلِفُها من أفواه مداركِنا سورةُ الحشر في آيتها الثالثة عشرة والتي تصف يهود بني النُّضيْر: (بأسُهم بينهم شديد، تحسبُهم جميعا وقلوبُهم شتى).
فلشدة مُكرهم وزيفهم، يحسبهم الرّائي على قلبِ رجلٍ واحدٍ، وواقعهم، كلُّ واحدٍ فيهم يحمل في داخله ضِدّه.
وللمستزيد، فدونه كنوزٌ قرآنية مُسْفرةٌ تناشد ذوي الألباب، وتستمد ذخرَها المطلق، وقد غرفت من محيطات خالق كل شيء جلّ في علاه، وها هي سورة الصف تزفُّ لنا صورة بليغة تقشعر منها جلود الأتقياء: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ).
فالقوْلُ (مكياجٌ ظاهرٌ مُفْحِمٌ)، والفعلُ (حقيقةُ باطنٍ أسودَ فاحِمِ).
وعليه لقد استحقوا مقتا كبيراً من ربهم نكالا بنفاقهم.
ولنا أيضاً من آل عمران قطوف دانية: ( وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون) آل 
عمران:72 
أي أنهم أشهروا إيمانهم على مسمع ومبصر القوم في النهار، وبيّتوا الكفر على غفلة القوم في الليل، فكان ظاهرهم المزيف، على نقيض باطنهم الحقيقي.
وغير ذلك كثير كثير.

وللحديث عن ظلم الظاهر للباطن، قوْله تعالى في آل عمران: لو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضوا من حولك.159
والفظاظة حجارة تقذفها منجنيقات الظاهراً، أما الدعوةُ إلى الله فهي مرآة الباطن، ولكن حجارة الفظاظة أقوى فتتكسر مرايا الدعوة وينفضُّ المدْعوون عن الداعي، وهذا هو داء الفظاظة، لا يداويه إلا الخلُق الحميد.
ومصداق ذلك في الحديث الشريف: إذا جاءكم من ترضوْن دينه وخُلُقَهُ فزوجوه.. إذا الخُلُقُ تُرجمان الدين، والخلق تُفعِّلُه المعاملة بواسطة سفرائها الجوارح.
فالخلُقُ هو زعيم الظاهر، كما أنَّ الدينَ عقيدةٌ خفية تمثل ظهير الخُلُق وهو بالتالي زعيم الباطن.
ومن أجل حياة متوازنة بظاهرها وباطنها أمرنا الخلاق العليم، بأوامر علينا فعلُها، كما نهانا عن نواهٍ علينا اجتنابُها.
وها هو حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:

ذلك لأن القلوب هي مركز الباطن الجوْهر وهو الأهم في كيان الإنسان وعليه يتم الثواب والعقاب.
(إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم).

نلتقي غدا إن شاء الله مع الجزء الثاني.
مع تحيات: أحمد الشيخ علي، والأستاذة نوار الشاطر صاحبة الفكرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق