***زواج عــبـر الشــــّات***
نــص
--------------------
ربـّمـا يـُخـفي مسارها الـّدراسـي النـّاجـح والمـُميـّز ،أسراراً كثيرة: أهمها: ذكاؤها الثاقب،الذي لا يعكسه مطلقا انطواؤها وخجلها الدائمان....ثم عنادها وإصرارها بلا حدود على أن تكون أولى الـدّفعة أو لاتكون ، فضلا عن الـلاّزمة المتداولة باستمرار في الوسط المنزلي ، إذ الوالد لا يفتر عن تكرير هذه العبارات: " انا والوالدة كالحمير، لم ندرس، .ولم تتح لنا فرصة التـعلـّم....نريدكـم الحصول على كل الشهادات الموجو دة في الدنيا "
بل إن الامّ لطالما تمنـّت أن تستمر ابنتها في التعلـّم إلى أن تصبح ًوزيرة، معتقدةأن منصب وزيرة،مرتبط بدرجات تعلـّم عـُلـيا...
جــِهان، التي تـخرجت متـمّ هذا العام مهندسة دولة في الهندسة الدقيقة. هي ابنة عبدالسلام القرفادي: وحيد والديه، المنحدر أصلا من عمق منطقة تاونات ، والذي كان قد فقد أبويه عـقب صاعقـة رعـدية، باغثتهما وهما ينتهيان من تقديم الأعلاف للبقر والغنم بالاصطبل.... وفاة مفاجئة ومؤلمة ، ستترك جـرحا غائرا في وجدان عبدالسلام، الذي أصر على ترك المدشـر، واستغلال فرصة الصـّعـود الصـّاروخي لـثمن العقار، بتلك البادية، جـرّاءالانتشار الواسع والمربح لزراعة الكيف...فرصة لم يتركها تـمرّ ، دون أن يكون أول من يجني ثمارها ، بهدف تحقيق حلم كان يسكنه،حتى وهو لم يتزوج بعد السّعدية ابنة المدشر نفسه ... إذ يتذكران مازحين، كيف أنه كان يختلي بها في سرية تامـّة تحت ظلال أشجار التيـن الكبيرة، بقمة ذاك الجبل المخيف...كانا يقامران بحياتهما،و كان ساعتها يهمس في أذنيها، سنـنجب أبناء، وسيدخلون المدارس...
باع إذن عبدالسلام كل ممتلكاته، بثمن جد محترم... ودون سابق تردّد، سيهاجر صوب الدار البيضاء ، لتحقيق حلم آخر كان يسكنه ، ويتعلق الامر بشراء سفينة صيد، يعانق بها أعالي البحار، حيث أنواع السمك الغالية، التي تساوي ذهبا وعملة صعبة ....
ستسعى جهان، الى استغلال عشق والديها الاسطوري للنجاح الدراسي. وذلك باتخاذ الخطوات الضرورية لمتابعة واستكمال دراستها ، باحدى جامعات بلاد العم سام... وفي انتظار تحقق العمليات المرتبطة بالتسجيل والإقامة، ستتعاقد جهان لمدة سنة كاملة،مع إحدى كبريات شركات الدار البيضاء....
ولأن صديقة عمرها الوحيدة ابتسام العلواني ،كانت على علم بمشروعها العلمي ،فقد اقترحت عليها التعرف على ابن عمها وليد العلواني ، المقيم لازيد من خمسة عشر سنة،بالديار الامريكية، راكم خلالها الحصول على شواهد عليا بتخصصات علمية حديثة ومختلفة ....
ستبادر فعلا جهان الى الانفتاح على وليد الذي كان يتواصل معها باللغة الامريكية، ويدعوها أحيانا الى ترجمة نصوص شفاهية باللسان الدارج المغربي،- يكون قد بعثها لها عن طريق الواتساب - ...
مع مرور الوقت، ستحس جهان أن مستواها اللغوي تطور كثيرا ، فيما سيشعر وليد بانجذاب خاص تجاه هذه الشابة.....خاصة لما حدثته ابنة عمه عن انحدارها من وسط اجتماعي محافظ ومحترم..... وبشكل غير متوقع ، ودون سابق إشعار، سيحل وليد بالدار البيضاء. سينزل بفندق قريب من مقر سكنى جهان..... وسيستعجل في اليوم الموالي لقيا جهان ،بتوسط من ابنة عمه:.... شابة خجولة، مقتضبة ومركزة في حديثها، عميقة في دلالات قولها ،ومنصتة أكثر من مُـتكلّـمة.... هذه على الأقل أولى الانطباعات التي كـوّنها وليد حول هذه الشابــّة، التي في فترة وجيزة شغلت باله وقلبه، قبل أن يراها...
طوال تلك الليلة ،لم يغمض له جفن،ولم يرتح له بال. فضـّل عن قناعة ،أن تكون هذه الزيارة دون إشعار الوالدة والوالد... بالـرّغم من كونه هو وحيدهما... تذكّـر كيف عـاش حياته يحبّ حدّ الجنون، الرّاحلة جدته، ويعتـزّ بها أكثر ،: جدته الشـّيخة المعنونية ، واحدة من رائدات العيـطة المرساوية الوطنية.
"مگواني ومگواني،خاطري ماهناني، لفرانسيس دخل بلادي ،جـْلاني وردنـي برّاني، رْفـد ونـْفى سلطاني، نوضو ياالشـّبابيـّة كافـْحـُو لعدوّ البرّاني ،مانـرْتاحو حتى تتحرّرْ لبـْلادعاوتـّاني ،ويـرجع الخامس سلطاني ".
سترحل جدته الى دار البقاء ، مخلفة وراءها هذا المنزل الفسيح والواسع، الذي ورثـتـه أمـه ، فضلا عن استـفادتها من مأذونية نقل....
تذكر والده ،الذي كان يتفنن ارضاء لزوجته، في استقبال وعناق عشاق امه....أمـّه .البديـنة،ذات الطول الملحوظ، التي يغطي وجهها وشـم، .يحيل على اللـّحية، مثلما يخفي خلفه رجولة ضاعت ببـاطن أنثى...
استحضر الليـالي الصـّاخبة،التي كانت تقضيها أمه وصديقاتها برفقة عشـّاق سفـلة ، فيما والده ،يخـْدم الحاضرين متصنـّعاً فرحـاً مأساويـاً.... خمـر،وموسيقى وغناء شعبيان ماجنان وصاخبان ،.سجائر،مخـدرات،كلام غاية في السـّوقية والابتذال..... هكذا ينقضي ليـل تـلو ليل .
سيعجل وليد بالتقدم لخطبة جهان ، وسيـدعي أن والديه يتعذر عليهما الحضور لوجودهما بالديار الأمريكية.. وسيقبل والد جهان دون كثير تردد ، خاصـّة وأنه مسنود بفتوى الفقيه مولاي الحبيب ، الذي سبق أن أفـتاه ،بمقتضى نص حديثي ، بتحريم سفر المرأة لوحدها مسافة يوم وليلة من غير محرم.فضلا غن فتوى مماثلة تحرم إقامة المسلم بين ظهراني المشركين بهدف طلب العلم ،الا بانعدام التخصص العلمي المهاجـَر الى طلبه ببلدان اسلامية.
وسريعاً، مرت أجواء الخطوبة والعرس في آن واحد، بشكل جيد ،اذ اعتبر وليد ، أن الحرص على مرور الحفل ضمن هذا الشكل الرباني ،أراحه كثيرا: قـُرّاء شباب تناوبوا على ترتيل كلام الله، مجموعة المديح والسماع، والدرس الذي ألقاه الفقيه مولاي الحبيب في موضوع الزواج والتحصـّن من الفتـن.
أحـسّ وليد كما لو أنه دخل في الحياة ضمن طقس تطهيري، أزاح به دنس أسرته الوالدية ، واستشعر ساعتها أنـّه يؤسس لنقاء سريرة، وقطيعة مع وضع أسري معيـب ومـاجن مـهتـّك.
ستباشر جهان مسطرة الحصول على تأشيرة الدخول والإقامة بأمريكا... وبشكل لافت وغريب، سيرفض طلبها بمبرر شبهها الدقيق بأحد إرهابيي الحادي عشر من شتنبر، وحملها نفس اسمه العائلي، فضلا عن جلبابها الباكستاني، وتحجبها......
وبقلب المؤمنة، اعتبرت كل الخير فيما اختاره الله .
ستنقلب الامور رأسا على عقب،إذ ستضطر جهان الى ترسيم عقدة عملها مع الشركة ذاتها ،براتب جد محترم، قياساً لما تميز به أداؤها المهني،من جودة، وكفاءة عالية... فيما سينشئ وليد مكتب خبرة متعدد الاختصاصات والمهام... وفي ظرف وجيز سيحقق نسبة معاملات عالية جداً.....
سنتان بعد زواجهما ،سيرزقان بتوأم رائع: رغد ورزان ،هبة من الله.
بمرور السنوات ، لم تكن جهان مرتاحة لكثير من الأمور: حماتها التي تواصل مشوار التسيب والفسق،زوجها الذي لم يستطع رغم حرصه الشديد إخفاء إدمانه على المخدرات والخمر ، غموضه الكبير في قضايا مالية المنزل....فقد كانت كلما تأملت بعمق هذه الأمور، إلا وركبتها لعنة الأغاني السريعة، والأكلات السريعة، وزيجات الشــّات... كانت تمزج بين كل هذه المظاهر برابط السرعة والنـّزقية،رابط يجعلها تقر في أعماق نفسها ببعد المظاهر نفسها عن عالم التأمـّل والترقب ، وجني الناضج من المواقف.
وفي صباح باكر من صباحات يناير الباردة ،سيرن هاتف المنزل....:
-آلو. صباح الخير سيدتي. أشعرك بان زوجك موضوع رهن الاعتقال ، اتصلي بقسم الشرطة لمعرفة المزيد من التفاصيل. .طاب نهارك....
فكرت على الفور في صديقه، ورفيق دراسته الطبيب النفساني: جواد المحلل.الذي وجدته في انتظارها عند مدخل قسم الشرطة....
-سيدتي ، زوجك متابع بتهم:السكر العلني،إحداث الضوضاء، والاعتداء حد الاغماء على راقصة بعلبة الليل....ومن يكون الرجل الذي يرافقك؟
-انه الطبيب النفساني جواد المحلل ، صديق العائلة، في مرتبة الشقيق،فربّ أخ لم تلده الأمّ.
-,حسنـاً، يمكن أن أحدثك أمامـه...
-طبعاً،طبعاً.
-سيدتي ،زوجك مدمن خمر ومخدرات، ومعروف بعلاقات مشبوهة ومنحرفة مع راقصات مسـنـّات، ومع رجال في مثل عمر والده، فضلا عن نفس العلاقات مع شباب أقران....
غادرت جهان القسم برفقة جواد،بحثا عن الراقصة، قصد شراء تنازل مكتوب منها، يفيد تخليها عن متابعة وليد....
أسبوعا بعد ذلك سيخلى سبيله، بعد أن قضت المحكمة بتغريمه، وإدانته بحبس موقوف التنفيذ..... أصيبت جهان بحالة اكتئاب حاد، تميز بفقدان القدرة على النوم،وفقدان الشهية،والخوف من ارتياد الأماكن الآهلة، مع نوع من الإحساس بهذيان الاضطهاد...
اعترف الطبيب جواد بأن حالتها كانت كامنة، جراء ما راكمته من خبرات وتجارب سيئة مرتبطة بالسنوات السبع للزواج، معتبرا مسالة اعتقال الزوج فقط أيقظت حالة مرضية منومة... وفي سياق متصل -اعتبر هذا النفساني- وهويشخص حالة وليد... ان انحرافاته ذات معاني ودلالات نفسية : فعلاقاته الشبقية والعدوانية براقصات مسنات، فيها انتقام من الأم، التي دنـّست العـِرض والشرف... أما علاقاته المشبوهة براقصين رجال في مثل عمر والده ففيها انتقام من والد سلبي ،أمضى حياته يتفرج مهزوما على حماقات زوجته ، فيما تبقى علاقاته المماثلة براقصين من مثل سنه، محيلة اكثر على رغبته في الانتقام من أنداد جيله، الذين لا يتصورهم إلا متـَشفــِّين وساخرين... ولم يفت الطبيب، التأكيد على اعتبار إدمان الخمر والمخدرات والسجائر، عمل يندرج ضمن استراتيجية تدمير الذات وإفنائها، .داخل منظومة غريزة الموت، وبدافع انتحار بطيئ.....
طالبت جهان النفساني جواد، بسلك مسطرة القتل الرحيم ، وتخليصها من جحيم حياة لاتطاق ، لكنه وعدها بتحسن سيطال وضعها النفسي باعتماد الدواء، والإرشاد النفسي....
وفيما كانت تفكر في قرارالتعجيل بالانفصال عن زوجها ،كان الضابط يتصل مجددا على هاتف المنزل:
-آلو،السيدة جهان... آسف جدا لاشعارك بان زوجك ، وهو في حالةهستيرية،اغتال راقصتين بحانة الامل، وراقصين كانا يشتغلان قيد حياتهما بعلبة الليل المسماة شروق... آسف سيدتي ولكنه الواجب المهني...تأهبي لذيوع وشيوع الخبر بشكل مذهل ومضر... إنـّه مرض السبـق، في زمن الانترنيت... زمن اتخاذ القرارات بجاهزية وسرعة بعيداً عن كل تدبـّر وتأمـّل واناة،تـماماً كـزِيجات الشــّات... أسعد الله نهارك بكل خير سيدتي...
ومن أيـن سيـأتـيني الخيـر.... قالتها وهي ترمي بالسمـّاعة أرضـاً، بعد أن أغمـي علـيها...
*****بقلمي عبد الحق توفيق البقالي *****
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق