الرجل الغامض.
الغموض يحيط بالإسكندر من المهد إلى اللحد.
قبل الزفاف بليلة واحدة، حلمت والدته "أولمبياس" بصاعقة تصيب جسدها حتى تحولت إلى شعلة من النار. لم تجد تفسيرًا إلا أن "زيوس" - كبير آلهة الإغريق - يبشرها بأن الابن الذى سيأتى من هذا الزواج سيكون له شأن عظيم فى هذه الدنيا.
بعد الزفاف بليلة واحدة، حلم والده "فيليبس" بأنه يطبع جسد زوجته بخاتم منقوش على شكل الأسد. لجأ إلى عراف القصر الذى أخبره أن الإنسان لا يختم إلا الأشياء الهامة فقط. هذا يعنى أن "أولمبياس" حملت و سيكون ابنها مثل الأسد فى الشجاعة و البأس.
قد تكون مجرد إشاعات يروجها الملوك ـ فى هذه العصور الغابرة ـ من أجل إحكام السيطرة على الشعوب. لكن...
لكن، من المؤكد أنه فى أكتوبر من سنة 356 ق.م.، فى ليلة من ليالى الخريف العاصفة و المطر ينهمر و الرعد يقصف و البرق يخطف الأبصار، جاء البشير ليبلغ "فيليبس" بمولد الإسكندر. فى نفس هذه الليلة جاء أحد القادة ليخبر الملك أن "بارمنيون" ـ أحد قادة الجيش المقدونى ـ أوقع الهزيمة بأهل "أبليريا". فى نفس هذه الليلة علم الملك أن مستعمرة "بوتيديا" استسلمت له. فى نفس الليلة فاز جواده بسباق عظيم الشأن فى "أوليمبيا". هذه الأحداث واقعية و مُثبتة. هل من الممكن أن تجتمع هذه البشريات الثلاثة لحظة ميلاد الإسكندر دون أن يعنى ذلك شيئًا؟
من لحظة الميلاد إلى لحظة الوفاة، سنجد الغموض أشد. توفى فى ريعان الشباب، فى الأربيعينيات تقريبًا. بالرغم من البحث الكثيف فى كل صغيرة و كبيرة حول شخصية هذا الرجل، لا نجد أية رواية عن تفاصيل وفاته، لا نعرف سبب الوفاة و لا المكان. لم نعثر على قبره حتى الآن. البعض يعتقد أن قبره فى واحة سيوة حيث معبده، لكن المنقبين عن الآثار لم يعثروا على أى شىء. هناك وثائق تؤكد أن "يوليوس قيصر" زار قبره فى الإسكندرية. لكن حتى الآن لم نعثر على أى دليل مادى.
يبدو أن الغموض استمر حتى بعد وفاته. لقد احتل مكانة فريدة بين أهل الأديان السماوية الثلاثة. بعض المسلمين يعتقد أنه "ذى القرنين" الذى ذُكر فى القرآن الكريم. يحاولون اثبات ذلك بطرق عديدة لكنها غير منطقية أبدًا. عالم الآثار الشهير "آرثر ويجال" يقول أن الأساطير اليهودية تؤكد أن الإسكندر كان خادم "يهوذا" و أنه أحد حكام العالم الروحانيين الذين تنبأ بظهورهم النبى "دانيال". ثم نجد بعض الرهبان فى الكنائس، يهملون المنطق و التاريخ، يعتقدون أنه من القديسين المسيحيين.
بالرغم من كل الدراسات و الأبحاث المكثفة و الغزيرة، مازال الإسكندر الرجل الغامض حتى اليوم.
حسام أبو سعدة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق