الخميس، 26 أكتوبر 2017

أمير أُمَراء النّغم ( فريد الأطرش) : بقلم #راوند_دلعو

أمير أُمَراء النّغم ( فريد الأطرش) :
عندما تضطّرُك الحرب التي تلتهم بلدك إلى ترك الوطن .... و ما تَركُ الوطن ؟ ..... ثم ما أدراك ما تَركُ الوطن !!؟ ... و أنت الأمير ابن الأمير في هذا الوطن ... لتقاسي آلام الهجرة إلى بلد آخر ... لتكونَ حزناً من شجن ، فتنتقل من حياة الأمير لتنشأ غريباً وحيداً بين طيات الثواني و قساوة الزمن ، لا ينقصك من الموت إلا ذراعاً من قماش الكفن .
في الغربة حيث تُعامَل على أنك أجنبي دخيل و مواطن مُمتَهَن ... من ( الدرجة الثانية ) من رتبة الفطريات و تطفُّلِ العفن ... فيُحكم عليك بالموت المبكر في متاهات الظّلام من الغربة و عتمات الوحشة في غياهب الوَحدة !!
و تكون _فوق ذلك_ ابناً لأقلية مرفوضة من غالب المجتمع السُّنِّي في مصر ...
ثم إذا بك تصل إلى القمّة و قمّة القمّة ، ثم تمزِّق تلك القمّة و تُقَمقِمُها ثم تقزِّمها بمارديّتك ، ثم لتبتلع تلك القِمّة بلُقمِة ، فها أنت تعيد تصميمها فتخيّطها على مقاسك الجديد ، برخام حنجرتك و قماشة صوتك الحريريّة الدّامسكو ، و رشاقة الرّفة من عودك الهارب بخشبه العاري من شجر الجنة ... ثم تسكُب في غربتك من طَرف ظِلّك العظيم ليخطف شموسهم من أكباد سماواتهم فيُذعنوا .... !
ثم لتخترعَ لك ارتقاءات لحنيّة أخرى لا تخطر على بالِ الشّياطين في رؤوس طلعِها ... لتبنِ لك برجاً عاجيّاً فوق كل القِمم و السُّحب و الملأ النَّغَمِيِّ الأعلى .... إذ ترسم بريشة عودك سماءً أخرى من شجن قُرمزي ...و مدارات جديدة من الحزن المخملي .... ثم تَستَعمر و تستعبد و تُسلسل و ( تجنزر ) آذان البشر في بلاد الغربة .... فإذا ما قيل لآذان البشر ائتوا طوعاً أو كرهاً ، قالوا أتينا طائعين لحنجرتك و ريشة عودك ...
يا فريداً في عصرك ، يا مَن صنعت كل ذلك المجد لوحدك ، مع أنك مُكبل بضغوط الممارسات العنصرية و الطائفية التي كنت تتعرض لها من المُتَنفِّذين و أصحاب القرار من زملائك الفنانين !! حيث يتم التغاضي المقصود عن إبداعك المذهل من معظم الزملاء ..... و تمارَسُ عليك عملية محبوكة و منظّمة من فن التّهميش الخبيث و الإقصاء الخسيس !!!!
نعم ، لقد سحبوا منك الجنسية و الفرح و أسمهان و الألوان ، ثم حاولوا عزلك في زاوية مظلمة ، و لكنهم تركوا لك _سهواً_ من بقايا شبح أسمهانك دمعتين ، و عوداً نضراً بين يديك المقدستين ، ثم لم يعلموا أنهم تركوا لك ما يكفي لمقتَلِهم ، فها أنت تطلق عليهم الجان من عفاريت نغمك المقدس ... ثم ها أنت تبني لك بين أهراماتهم هرماً سورياً ضخماً ، بعدد لا نهائي من الأضلاع الموسيقية و المضلعات الوترية و نجوم الليل السؤددية ....
ها هو نورك يعلو ثم يعلو ليشق الأفق من فوق أعنان الغيوم ...
ثم لتنبعَ نِيلاً نظامياً على الخارطة المصرية ، يجاري في دفقه النيل العظيم ، نيلاً برخصة فرعونية مُوقّعة من ( توت عنخ آمون) شخصياً ، و بخطِّه الهيروغليفي ، و وَرَقِهِ البُردِيِّ الشارب حتى النخاع من مياه النيل الأزرق و الأبيض و الأحمر .... فتُغيِّر جغرافيا و تضاريس الفن في مصر ، فإذا بك هناك لتكتب التاريخ من جديد !!
فها أنت ( يا جميل يا جميل ) تقنصهم بأوتار عودك الفتّاك مِياداً .... فيُفسحوا الطريق ثم ليتساقطوا أعداداً ، و ليفشلوا أنداداً .
شققت الصخر بلين صوتك و وترك ، لتحقق نجاحاً باهراً إلى حد الانتقال إلى عالم الشُّهرة و تكوين قاعدة شعبية رهيبة تجتاح قلب شعب مصر الطيب ، ذاك الشعب الحي الذي قبِلك و أحبك بعيداً عن طائفية البعض من الطبقة الفنية التي حاربتك ... فتصفيقهم في حفلاتك يعلو على كل تصفيق ، و يمحو بهديره كل تلفيق ... لتنام مصر على صوتك و تستفيق ... فكنت بصدارة قمة الفن من رجل بحذافير المجد حقيق.
ثم ها هي أم كلثوم تموت بغيظها و تُعبّر عن ذلك _ لا شعوريَّاً _ برفضها لغناء ربيعك الخارج من حنايا الرِّقة في خشب عودك الأصيل ... يتمايل على أنغامه قصب النيل ... و أنت الأعلى برهافتك و فنك و إبداعك ، فشتان بين مُخترع للَّحن و مقلد !!
لتمرّ السنوات و العقود و تُتوَّج أغنيتك ( الربيع ) _ التي رفضتها أم كلثوم _ على أنها من أهم خمسة أعمال فنية في القرن العشرين .... !
ثم ها أنت تنتقل بجبروتك اللّحنِي إلى العَالميّة ، لتخط اسمك من ذهب بجوار عظماء الموسيقا في القرن العشرين ، بل في كل القرون !!!
نعم لقد كنت تمتلك كمية رهيبة من العبقرية اللئيمة الماكرة التي تفرض نفسها على تضاريس الواقع ، و سَيلاً جارفاً من الإبداع الهائج المائج الحارق المتفجر الذي لا يُجارى و لا يبارى ، و لا يقاوم و لا يختبئ و لا يتوارى ، فكانت القلوب بفنك سكارى ، فهو فوق الشمس و فوق العقل و أعلى من كل الأسوار و الموانع و الحجب العذارى ...
ذلك الإبداع الكاسح الذي كنس حقد جميع المُحَكِّمين المتآمرين و نوتاتهم و مقاييسهم و معازفهم و آذانهم ... فأسلموا لعودك ... و لوترك السابع في نهوندك ..
حقاً لقد كنت رهيباً جداً و فريداً جداً و وحيداً جداً و حزيناً جداً ....
حيث ارتقيت رغماً عن الجميع و كتبت عند الله فوق تلك السماء ... على يمين الأنواء
الأمير فريد الأطرش
نتيجة بحث الصور عن صور لفريد الأطرش

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق