دراسة نقدية :بقلم الأستاذ صالح هشام/المغرب
الرمز والتركيب النصي في القصيدة الشعرية **في مقالة ( التركيب والاسناد في النص الادبي) ، عالجت التركيب على مستوى اللغة وبناء الجمل، هذا التركيب الذي يستهدف منه المبدع انتزاع (شهوة الغرابة والادهاش) عندما يقرأ نصا من النصوص التي يراعى فيها جمال جمع( اعناق المختلفات والمتباينات ) وفي هذه المقالة سأطرق نوعا آخر من التركيب على مستوى النص الادبي خصوصا الشعري منه ، والحديث بصفة خاصة ، أقصد بهذا النوع من التركيب تلك النصوص الخفية التي تجتمع بشكل أو بآخر وتتغاعل فيما بينها لتكو ن نصا شعريا كبنية مستقلة قائمة بذاتها ،يعني هذا أن أي نص شعري يتركب من مجموعة من النصوص قليلة أو كثيرة و لا يمكن كشفها إلا إذا كان الناقد أو القاريء يتقن فن إستجلاء المستور والكشف عن خفايا الخفي والبحت وراء ما تحتويه السطور ،فهذه النصوص يمكن اعتبارها رائحة الشيء لا كتلته المادية والرائحة بطبيعة الحال لا يدركها ولا يصل إلى كنهها إلا أنف شمام خصوصا إذا كان ينعدم وجود أية إحالة أو إشارة إليها .
فالنص الأدبي لا يعانق ذاكرة الشاعر وينزل عليها جلمود صخر من فراغ أو دون الاعتماد على ذخيرة نصية مسبقة ، وإنما يستمد روحه من كم متراكم لا يستهان به من النصوص الأخرى التي علقت بذهن الشاعر بوعي أو لا وعي منه ، ويكون ذلك وفق قدراته المعرفية والثقافية .كشف مستور هذه النصوص التي تذوب في ما بينها لتكون لحمة نص جديد تستوجب فطنة الناقد والقاريء .سواء كان ذلك مقصودا او عن غير قصد من طرف الشاعر وتحضرني فكرة لنزار قباني يقول: ( أشعربأن عشرةآلاف شاعر يكتبونها معي من طرفة والحطيئة إلى أبي تمام والمتنبي وشوقي ) ! فنقول إن النص الشعري امتصاص لمجموعة لا متناهية من النصوص الأخرى التي تكون الرصيد المعرفي للشاعر، لا أحب أولئك الذين ينبهرون بالغرب في عملية الإبداع أو النقد على حد سواء ، قد نستفيد مما هو غربي لكن ليس إلى درجة الانبهار، نحن نؤمن بالمثاقفة والتلاقح الثقافي المعرفي عبر مختلف العصور و الأمكنة ، فالتفكير البشري يخضع لما نسميه بوحدة التفكير البشري ، فلولا هذا التأثير والتأثر لماكانت هناك أصلا ثقافة ،لكن قبل أن نشد التلابيب على الأرداف و نتجه صوب الغرب ، نفتش في بيتنا العربي خصوصا البيت التراثي فهو غني حد التخمة بالنظريات النقدية الفدة ، على مستوى مختلف العلوم والمعارف التي لم يفلت الغرب المتح منها فقبل أن نذهب مثلا إلى الغرب ونأخذ بنظرية cristiva في أن (كل نص هو امتصاص ، أو تحويل لوفرة من النصوص الأخرى ) فهذا جميل ورائع لكن الأروع إذا عدنا إلى خلف حكيم الشعراء العرب الذي قصده في يوم من الأيام أبو نواس طالبا منه أن يأذن له بقول الشعر ،فأمره أن يحفظ كما هائلا من مختلف الأشعار،فحفظها وعاد إليه وأخبره بحفظه ما طلب منه فأجابه خلف عليك أن تنسى ما حفظت ، وأعتقد أن أخطر عملية من حيث الصعوبة على العقل البشري هي تعمد النسيان ، عاد إليه و قال له لقد نسيتها ، فقال له خلف: الآن آذن لك بقول الشعر ! ألم يكن خلف هذا على علم بأن النص الشعري لا يتركب ولا يتكون من فراغ وإنما هناك فسيفساء نصية يستمد منها لحمته و بناءه ، هذا الكم الهائل من النصوص التي حظيت بشرف تخزينها في لا شعور الشاعر، ألم يكن هذا العبقري يعرف بأن النص الشعري هو امتصاص لنصوص سابقة تتفاعل فيما بينها ، لتكوين نص جديد له بنيته و جمالياته الخاصة فيستقل بذاته ويشكل وحدة عضوية قائمة بذاتها فليس إذن هناك أي تقصير من طرف الأدباء والنقاد العرب ،في تحديد مكونات النص سواء تعلق ذلك بالتداعي وتوارد الافكار أو بغيرهما من توظيف مقصود كما سنرى ، فكل ما يقرأ ينصهر في ذهن الشاعر في انتظار إيجاد ثقب الخلاص الذي لن يكون إلا هذا النص الشعري بذاته ! فالنص الذي يبدعه الشاعر إذن يمكنه أن يمتص كما هائلا من النصوص ،وذلك وفق التكوين المعرفي والمناهل التي يمتح منها هذا الشاعر أو ذاك، وهذا بطبيعة الحال ، يخلق صعوبة كبيرة في طريق الناقد الذي يريد أن يبحت عن إحالات معينة لهذه النصوص الخفية في النص الشعري مما يعمق الصعوبة أمامه ويطبع النص بطابع الغموض، وأمام ضعف مستوى معرفة القاريء يتم رفضه ، وبغض النظر عن تزود هذا الناقد بالأدوات النقدية اللازمة ، فإنه يحتاج إلى للمعرفة العلمية الموسوعية حتى تمكنه من الوقوف على طبيعة هذه النصوص التي تتفاعل فيما بينها كالحمم في البركان لتكوين نص جديد قائم الذات ، حافل بالدلالات والرموز ،و يتفاوت ذلك من شاعر إلى آخر ومن قصيدة إلى أخرى! وحتى عملية استجلاء طبيعة هذه النصوص تخضع لقدرة كل ناقد أو قارئ على حدة، ولعل العملية الأبرز لهذا التداخل النصي تأتي في أحيان كثيرة على شكل تناص ، أي تفاعل النصوص مع بعضها البعض عن طريق الأخذ أو التأثير والتأثر ، وهذا التناص كخاصية فنية فإنه يثري بشكل أو بآخر مناخ النص الشعري ،وإن كان العرب لا يحبون هذا النوع من تداخل نصوص كثيرة ، في النص الواحد ، إذ يعتبرون ذلك نوعا من الإساءة إلى قدراتهم الإبداعية ، فكانوا يسمون ذلك بالسرقات ويقتفون أثرها متربصين بها عبارة ،عبارة أو بيتا ،بيتا ، لضبطها لتبدأ المحاكمة الأدبية الماراطونية للشاعر قبل النص ، ولعل عدم اعترافهم بهذا التناص يعود أساسا إلى أنهم لا يريدون الأقرار بشاعرية الآخر ولا يرضى شاعر أن يأخذ من غيره وأقصد هنا الشعراء القدماء أما في القصيدة الحديثة فقد أصبح التناص سمة جمالية أساسية في بنائها ، وعلى العكس من ذلك نجد أن شعراء الغرب كانوا يتباهون ، بالتناص الذي يعتبر ونه في نظرهم مصدر افتخار واعتزاز بقدراتهم الفكرية الموسوعية في مجال العلم والمعرفة ، وبأن الشاعر الذي يستعمل التناص ، دليل أنه على علم ومعرفة بنصوص غيره ، فإليوت مثلا كان يعتز بتناص نصوصه مع نصوص شعراء الرمزية الفرنسية ! إلا أنه يختلف من حيث التوظيف حسب القدرات الإبداعية للشاعر ، وقد اختلف الشعراء العرب المحدثون عن القدماء في كونهم أصبحوا يلهثون وراء توظيف التناص بشكل لافت للنظر ، إلى درجة أنه أصبح بمتابة صنعة شعرية يختلط فيها الغربي بالعربي القديم والحديث ، لأنهم وقفوا على أهميته في إغناء تصوصهم وأيضا باعتبارها من الجماليات الفنية في القصيدة الشعرية ، ولم يقتصر تركيب النصوص الشعرية عند الشعراء العرب على امتصاص نصوصهم لنصوص أخرى تساهم بشكل أو بآخر في بناء القصيدة ، إلى توظيف الرموز بمختلف ألوانها وأنواعها ، خصوصا الرمز بالأسطورة والذي ارتقى بمستوى القصيدة الشعرية فحلقت بعيدا عن الواقع على أجنحة الانزياح وبلاغة الغموض ، كما ارتقى بمستوى القراءة الكاشفة والكشافة لطبيعة هذه الرموز لأن عملية التفكيك تستوجب التسلح بالمعرفة المتنوعة ، وهناك من بالغ في هذا التوظيف كما هو الشأن لبدر شاكر السياب أو محمود درويش وصلاح عبد الصبور وغيرهم كثير ، فالترميز لم يكن يقتصر على توظيف (العلم / الرمز ) كتوظيف سيزيف للرمز إلى التحدي ، وإنما يتم تجاوز ذلك إلى الترميز بنصوص تمتص وتدخل في تركيب القصيدة . فيكون في بعض الأحيان صورا تجانس صور الموقف أو المواقف التي يستهدف الشاعر التعبير عنها في قصيدته ، وفي بعض الأحيان تتحول بعض هذه الرموز إلى رموز نمطية جاهزة كما هو الشأن بالنسبة لأيوب كرمز للصبر أو العنفاء كرمز للخرافة أوالصحابة كرمز لزمن الطهر والصفاء ، إذ يقول الشاعر : *أيوب مات
*ومضت العنقاء
* وانصرف الصحابة .
أو كذلك الرمز بالأساطير اليونانية القديمة كما هو الشان لبدر شاكر السياب ، وأدونيس وغيرهم كثير من الشعراء العرب المحدثين المتشبعين بالشعر الغربي حسب مدارسه ، لكنهم استطاعوا أن يزاوجوا بين الثقافة العربية التراثية والثقافة الغربية ، وكان لكل ذلك أثره الإيجابي في تكوين بناء القصيدة العربية الحديثة المستقلة وإن كان من الصعب جدا الإعلان عن القطيعة مع القصيدة التقليدية القديمة ويحضرني مثل شعبي مغربي بالعامية نقول فيه : (الجديد ليه جدة والبالي لا تفرط فيه ) .ولعل هذا الامتصاص كما عبرت عنه الناقدة كريستيفا بجميع أشكاله ، هو الذي مع كامل الأسف نجده يكاد ينعدم في شعر الجيل الجديد من الشعراء خصوصا الشباب ، إذ من خلال قراءاتنا للكثير من أشعار هؤلاء ، نجد نصوصهم تكاد تخلو من الرمز أو التناص سواء مع نصوص غربية أو تراثية عربية قديمة ، فلا تربو أشعار هؤلاء الشباب عن الانزياح على مستوى اللغة وبلاغة الغموض ، لكن كتفاعل نصوص أخرى داخل إبداعاتهم فهذا لا نلاحظه ، وهذه وجهة نظر شخصية ، وإذا طرحنا السؤال مستفسرين عن السبب ، فإننا نرجع ذلك إلى تقلص مستوى الاطلاع على الثقافات الأدبية العربية أو الغربية فالبركان لا يمكنه ان يقذف الحمم وفوهته فارغة تماما ، وما دام هذا النقص حاصلا فحتما لن يكون ذلك التداخل النصي الذي عهدناه عند جيل المجددين في الشعر العربي ورواد الشعر الحديث ، أو ذلك التناص أو ذلك الامتصاص ، فنصوصهم تكون عاجزة عن امتصاص نصوص أخرى بطبيعة الحال لم يعرفوها أولم يقرؤوها أولم يسمعوا عنها ، هذه إشارات فقط لا أظنها تفي بالغرض في هذ الموضوع الشائك جدا .
بقلم الاستاذ ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~صالح هشام
الرباط/المغرب~~~~~~~~~~~~~الاثنبن ١٤\١٢\٢٠١٥
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق