الموروث خبز الشعوب!
بسم الله:
والحمد لله، والصلاة والسلام على محمد وآله ومن والاه.
إخوتي وأخواتي الكرام:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد:
فإن للحديث عن البناء الاجتماعي، قواسم مشتركة مع الحديث عن بناء أي صرح معماري، أو تقني.....
ولعلني لا أجد اختلافا إلا في المصطلحات.
وذلك من ألفِ المعطيات، إلى ياءِ النتائج سواء بسواء.
فما ينبغي لبناء ناطحٍ للأرض، أو ناطح للسحاب، هو ذاته من حيث المقومات والأهمية فيما لو عقدنا النية، ونفّرْنا العزيمة وأخذنا بجميع الأسباب في سبيل إنشاء هو الأهم، والأعظم، والأخطر في الوجود، ألا وهو بنا ء الفرد والمجتمع.
وبما أن بناء المجتمع/ الإنسان هو أساس الحضارة، فكان لا بد أن يُؤَسَّسَ له علم يتفرع منه اختصاصات، تلتقي بخراجها في قصة واحدة ليتحلقها كلُّ نشاط بشري.
وقد أصاب من أطلق مُسمى (علم الاجتماع) الجامع، الشامل، على هذا الراعي، الدليل، المنهج، المُوَصِّل، عَبْرَ أقصر الطرق، وأفضل المتاح مِنَ النتائج.
فعلم الاجتماع التربوي:
يُعنى بمناهج التربية، ودورها في العملية التربيوية، وهذا العلم في تطور مستمر لمواكبة مستجدات الحياة.
وعلم الاجتماع الحضري:
يُعنى بدراسة المعايير الحضرية التي تقوم على أساسها مجتمعات المُدُن، وما هو الأكثر نفعا منها وما هو الذي انتهت صلاحيته، سعيا وراء غاية يسابقها الزمن من أجل مجتمع حضري أقل تفكك، وأجود إنتاج إنساني حضاري.
وعلم الاجتماع الريفي:
يعنى أيضا بدراسة المعايير التي تحكم البناء الريفي الاجتماعي، ونصب عينيه أن يحافظ على مناعة الريف الاجتماعية، وتجذير أهل في ترابه كيف لا يكونوا من مصادر تخمة المدن وخواء الأرياف، ولكي يرفد إنتاج الريف الإنساني، إنتاج المدن الحضرية، لتزاوج الإنتاجان ويساهما في تشكيل حضاري متكامل رائع المظهر، ثمين الجوهر، متسارع الصعودِ عزيز المنحر.
وعلم الاجتماع السياسي:
ولهذا العلم حساباته في إسقاط المفاهيم السياسية على سياق المجتمع، لتتعانق الفعاليات عند كل لقاء، تنعقد فيه الهمم لتحقيق أماني المجتمع على كل صعيد.
وعلم الاجتماع الجنائي:
هذا العلم الذي يتحقق من سلامة الطريق، وأحذية المارة، وطاقاتهم مسيرة البناء الآمن.
وعلم الاجتماع الطبي:
وهذا العلم أيضا في تواصل دائب مع نبض الإنسان وعافيته وتحري ما يعيق أمنه الصحي والتأكيد على ما ينفعه، فلا إنتاج من غير عافية.
وهناك فروع كثيرة: لا يتسع المجال لسردها خشية أن ينزلق الموضوع إلى اتجاه بعيد من مرامي البحث الأساس.
وعلم الاجتماع الهندسي:
وهذا العلم لا يقل خطورة وأهمية عن أي فرع من فروع علم الاجتماع، إذ أنه يُعنى بالهندسة المعمارية التي تصمم المنازل متوافقة مع حاجات الإنسان المعيشية والتربوية والاجتماعية، ولكل عنوان تفاصيله التي تخال من أهميتها أنها في صدارة علم الاجتماع.
هذه هي أشهر أذرع علم الاجتماع التي لا تفتر عزائمُها ولا تأخذ بصائرُها سِنةٌ ولا نوم، دؤوبة المساعي، على كل الطرق للوصول بالإنسان إلى تحقيق ذاته بما يليق مع كونه في الأصل، (في أحسن تقويم).
فالهيئة هي الاحسن، والجوهر هو الأغلى والعقل راشد، والقلب رحيم وقائد.
فكان التكليف على قدْر ما أحسن اللهُ، وما وفّر من إمكانات، ومقومات.
وما كان للتكليف أن يكون إلا بمُكَلَّفٍ أمين رؤوفٍ رحيم، فكانت الرُّسُل والأنبياء والصِّديقون، ومنهم من قصّ علينا، ومنهم من لم يقصص سبحانه.
وإذا الله تعالى لا يُعذبُ حتى يبعث رسولا.
كان لا بد من تزويد كل رسول بكتاب هادٍ إلى سواء السبيل.
ومما يحضرني من الكتب المقدسة كتاب:
( الويدا/الفيدا) ويعتبر بمثابه دائرة معارف هندوسية، وله قيمة تاريخية كبرى عند الهندوس، إذ تنعكس فيه حياة الآريين في الهند، فيه أخبار حلهم وترحالهم، دينهم وسياستهم، حضارتهم وثقافتهم، معيشتهم ومعاشرتهم، ومساكنهم وملابسهم، ومطاعمهم ومشاربهم، ومهنهم وحرفهم، كما ترى فيه مدارج الارتقاء للحياة العقلية الفلسفية، فتوجد فيه أدعية ابتدائية تنتهي بالارتياب، وبألوهية تترقى إلى وحدة الوجود.
وعند الصينيين كتاب ( التاو)
وهو أهم الكتب المقدسة في الصين على الإطلاق؛ بعد القرآن والإنجيل؛ فقد تناوله منذ آلاف السنين الباحثون، الذين يعتبرونه أهم الكتب المقدسة بعد القرآن الكريم.
كما أن الهنود الحمر كتاب يؤمنون به مُؤلف من ثلاثة عشر أسطورة هي بمثابة كتاب مقدس لهم.. تتحدث هذه الأساطير عن مجيء آلهة بيضاء من الشرق عبر أمواج المحيط، ستكون مخلصة..
نعم لقد أتت ولكنها في الحقيقة خلّصتْ عليهم إبادة واستعبادا.
كما أنزل الله تعالى (التوراة) على سيدنا موسى عليه السلام لبني إسرائيل
(والزبور) على سيدنا داوود عليه السلام لبني إسرائيل.
(والإنجيل) على سيدنا عيسى لبني إسرائيل.
ومما لا شك فيه أن جميع الكتب السماوية قد أنزلت على أقوام دون سواها.
و(القرآن الكريم) أنزله على قلب نبي الرحمة محمد ابن عبد الله هدىً للعالمين.
وغير ذلك كثير كثير مما لا يتسع المجال هنا لإحصائه، قال تعالى في سورة فاطر: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۚ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ). صدق الله العظيم.
وهذه النُّذرُ عليهم السلام لم يدعوا جماعة صغيرة أو كبيرة على الأرض إلا وبلغوها هدى الله تعالى.
وقال تعالى في سورة الإسراء: (
مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَاكُنَّامُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا). صدق الله العظيم.
ومن الجدير التنويه إليه هو أن جميع الكتب (المقدسة) بلا استثناء قد خضعت لسلسلة من التحريفات، من حذف، وإضافة، وتزوير.
إلا القرآن الكريم ، لأن الله تعالى أنزله وتكفل بحفظه لأنها الصراط المستقيم والهدى للعالمين وفيه الدين كله.
قال تعالى في سورة الحجر: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) صدق الله العظيم.
فكانت تلك الموروثات الروحية قوالب تنسكب فيها العقول والقلوب والأنفس، والأرواح لتبرمج أصحابها وفقا لكل ما جاء فيها من أوامر ونواهي، وقيم، وسلوك، من مقدس ومُلفق.
وهذا تماما ما بنطبق على المروث الشعبي بصيغة من الصيغ، وعلى درجات تتفاوت من شخص لآخر ومن جماعة أو أمة لأخرى..
إذا كانت الكتب المقدسة عقيدة تصبغ النشاط البشري بألوانها، وتبرمجهم وفقا لمناهجها، فإن الأعراف الموروثة تفعل في كثير من الأحيان ما لم تفعله الكتب المقدسة.
فالكتب المقدسة كلها بلا استثناء تخلص إلى وحدة الوجود والموجد.
وتدعوا إلى مكارم الأخلاق.
وتنصف المظلوم.
وما أدنى شك فإن الذين قاموا بتزوير الكتب السماوية السابقة للقرآن الكريم هم أصحاب غايات وأهداف وما زوروا وما حذفوا إلا لتتضاعف أرصدتهم الدنيوية ولتدور (العُبّادُ) في أفلاكهم، وذلك على حساب الارتباط الروحي بخالقهم كما كان على هيئة في كتبهم قبل أن تتصرف قادتهم الروحيون، وتجعل الشرائع مناهج تجهيل وخرافات واستعباد.
وإذا كانت الكتب السماوية على جلاله قدْرها، لم تصمد أمام نوازع الإنسان، فهل لأعرافنا وتقاليدنا أن تتحصن في مناعات عصية على عقول وقلوب المغرضين والجهلة؟.
تعالوا لنستعرض موْروثنا الشعبي في (بعض محطاته المظلمة) تلك التي أرغمتنا إلى متاهات، وحطت بنا في حضيض لا يليق بأكرم مخلوقات الله.
يتبع القسم الثاني غدا إن شاء الله.
أحمد الشيخ علي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق