القديسة.
جابريال جارثيا ماركيز ـ ترجمة: حسام أبو سعدة.
لم أرى "مارجاريتو دوارت" منذ إثنتين وعشرين عامًا. ظهر أمامى فجاءة فى أحد نواصى شارع "تراستيفار". عرفته بصعوبة شديدة بسبب الإرهاق و الإعياء الباديان على وجه بينما يتأنق فى ملابسه كأنه رومانى قديم. أصبح شعره خفيفًا أبيضًا، اختفى أسلوبه الحزين و بدل ملابس الحداد التى رأيته بها أول مرة فى "روما". لكن بعد أن تحدثنا سويًا اكتشفت أن المظاهر خداعة، مازال كما هو غامضًا ثابتًا كأنه تمثال من الصخر. بعد أن تناولنا فنجان القهوة الثانى غامرت و سألته السؤال الذى يلهب شفتاى:
ـ ما أخبار القديسة؟
فأجاب:
ـ إنها دائمًا هناك... تنتظر.
لا أحد يعرف مدى قسوة هذه الإجابة سواى أنا و المطرب "رفاييل ريبيرو سيلفا"، فإننا نعرف مأساته جيدًا، مما جعلنى أعتقد أنه الشخص المناسب الذى يبحث عنه المؤلفين ليثير خيالاتهم فيكتبون أكثر القصص إثارة. عندما قابلته الآن اكتشفت أن النهاية لا يمكن لأحد أن يتخيلها.
لقد أتى إلى "روما" فى هذا الربيع الساطع الذى كان البابا يعانى فيه من وعكة صحية غامضة فشل فى علاجها جميع الأطباء و السحرة. من طريقة نومه أدركنا أنها أول مرة يغادر قريته المنحدرة من جبال "توليما" فى "كولومبيا".. لقد ذهب إلى القنصل يحمل حقيبة من خشب الصنوبر اللامع فى مثل حجم و شكل علبة الكمان، أذهله بسبب رحلته فاتصل القنصل بالمطرب "رفاييل" ليحجز له غرفة فى البنسيون الذى كنا نسكن فيه، هكذا تعرفت عليه.
"مارجاريتو" لم يحصل على تعليم أكثر من الشهادة الإبتدائية لكن حسه المرهف فى تذوق الأدب نمى مداركه، لقد قراء كل ما وقع تحت يديه... عُين موظفًا فى المحافظة. فى الثامنة عشر تزوج من إمراة جميلة صغيرة لكنها توفت بعد أن وضعت له طفلة أجمل منها، و توفت الطفلة بالحمى فى السابعة من عمرها. لكن القصة الحقيقية بدأت قبل سفره إلى "روما" بستة أشهر فقط، عندما أمرت الحكومة بنقل مكان المقابر لإنشاء أحد السدود مكانها. هكذا أصبح على جميع السكان نقل رفات أمواتهم إلى المقابر الجديدة. فتح قبر زوجته فوجدها مجرد تراب، فتح القبر المجاور فاكتشف أن جثة ابنته سليمة كما هى منذ إحدى عشر عامًا، حتى الزهور التى دُفنت معها مازالت عطرة طازجة، الأكثر غرابة غياب الوزن.
أتى مئات من الفضوليين من القرى المجاورة ليعاينوا و يتأكدوا من المعجزة. عفاف الجسد دليل قاطع و حازم على القداسة. لكن مطران الأسقفية أعلن أنه يجب عرض القضية على الفاتيكان كما أعلن عن جمع التبرعات لتوفير نفقات السفر. هكذا أصبح سفر "مارجاريتو" ليس قضية شخصية بل قومية و دينية.
رفع "مارجاريتو" غطاء الصندوق و هو يقص لنا حكايته فى البنسيون الموجود فى أحد الأحياء الهادئة. هكذا عاينت أنا و المطرب "رفاييل" المعجزة. لم تكن مثل المومياوات القديمة التى شاهدناها كثيرًا فى المتاحف، بل طفلة صغيرة ترتدى ملابس الزفاف تكمل نومها تحت الأرض، بشرتها ملساء رطبة،عايناها مفتوحتان شفافتان تعطيك إنطباع رهيب بأنها تراك من خلال الموت، إنها ترانا فعلًا. لم يصمد التاج المصنوع من الساتان المرصع بالزهور الصناعية لتقلبات الزمن تحت التراب مثلما صمدت بشرتها لكن الورود التى وضعت بين يديها مازلت حية. وزن الحقيقبة وهى تحتوى الجسد مماثل لوزنها و هى خاوية.
بدأ "مارجاريتو" سعيه من اليوم التالى لوصوله. فى البداية كانت تسانده بعض الوساطات الدبلوماسية لكنها تتصف بالرحمة أكثر من أنها فعالة.. إبتكر كل الحيل ليعبر الحواجز التى لا حصر لها لاختراق الفاتيكان لكن طلبه يقابل دائمًا بحذر شديد.. إتصل بكل المؤسسات الدينية و الإنسانية، استمعوا له بانتباه لكن دون اندهاش، وعدواه بالوساطة المباشرة بينه و بين الفاتيكان و لم يحدث شيئًا.. يجب التسليم بأن الوقت غير مناسب، فالجميع مشغول بصحة البابا بعد ان فشلت كل محولات الاطباء و السحرة القادمين من جميع أرجاء العالم.
أخيرًا إمتثل البابا للشفاء فى شهر يوليو فذهب للإصطياف فى "كاستل جاندوفلو". أخذ "مارجاريتو" القديسة إلى أول إجتماع أسبوعى و كله أمل فى عرض قضيته. ظهر البابا فى الردهة الداخلية التى ترتفع قليلًا فوق رأس "مارجاريتو"، لاحظ أظافره المهذبة بعناية بالغة، إشتم رائحة اللاوند و مع ذلك لم ينزل البابا بين السواح الأتين من كل العالم لرؤيته بل اكتفى بإلقاء خطبة قصيرة تعتبر بركة عامة.
بعد أن شعر بالضيق من التأخير قرر تولى المهمة بنفسه، كتب خطابًا من ستين صفحة و سلمه باليد لسكرتارية الفاتيكان، لم يتسلم ردًا على خطابه، لم يُذهل لأن الموظف الذى إستقبله لم يكلف نفسه عناء النظر إلى الفتاة الميتة. الموظفين الذين مروا بجانبه نظروا دون إبداء أى إهتمام. قال له أحدهم أنهم فى العام الماضى إستقبلوا أكثر من خمسمائة رسالة بخصوص جثث سليمة بعض الشىء من جميع أنحاء العالم، فطلب "مارجاريتو" تفسير غياب الوزن، تأكد الموظف من ذلك بنفسه لكنه رفض الإعتراف به قائلًا:
- انها هلوسة جماعية.
فى أوقات الفراغ القليلة التى يمر بها فى أيام الأحد الحارة يجلس فى حجرته يقرأ أى كتاب يعتقد أن له صلة من قريب أو بعيد بقضيته... فى نهاية كل شهر يكتب تقريرًا مفصلًا عن مصروفاته فى كشكول إشتراه من نفقته الخاصة حتى يتمكن من محاسبة المساهمين فى تكاليف الرحلة بمنتهى الدقة.. فى نهاية العام أصبح يعرف كل متاهات "روما" كما لو كان مولودًا هنا، يتكلم الإيطالية بسهولة كما أصبح يعرف كل قوانين إعلان القداسة أكثر من المتخصصين لكن مر وقت طويل دون أن يخلع ملابس الحداد المكونة من بلوفر بلا أكمام و قبعتة مثل السحرة، و كانت هذه هى الملابس المميزة للثائرين فى "روما ". يخرج مبكرًا جدًا يحمل الحقيبة فى يده و يعود متأخرًا جدًا أثناء اليل، يعود منهكًا جدًا لكن لديه دائمًا بصيص من الأمل يدفعه للحماسة فى اليوم التالى، فيقول فى نفسه "القديسين يعيشون فى زمن شريف خاص بهم".
كنت فى هذا الوقت فى بداية دراستى فى السينما التجريبية. عايشت تجربة "مارجاريتو" بانتباه شديد حتى أننى لا أستطيع نسيانه. البنسيون الذى نسكنه عبارة عن شقة حديثة بجوار حديقة الحيوان، صاحبته تشغل حجرتين و تؤجر أربع حجرات للدارسين الغرباء، أطلقنا عليها اسم "ماريا الجميلة" لشهوانيتها رغم أنها فى خريف العمر، تؤمن بأن من حق كل ساكن السيطرة الكاملة على حجرته.. تعاوننا على حل مشاكلنا الصغيرة اليومية، أختها الكبرى "الخالة أنطونييتا"، ملاك بلا أجنحه، تعمل باستمرار دون توقف، تكنس، تمسح، هى التى علمتنا أكل العصافير المغردة التى يصطادها زوجها ـ عادة سيئة اكتسبها الإيطاليون من جراء أزمة الحرب ـ و هى أيضًا التى سمحت لـ "مارجاريتو" بالبقاء فى البنسيون عندما نفذت أمواله.
لم يكن هناك شىء آخر سوى هذا المنزل ليعين "مارجاريتو" على تحمل مأساته. فهنا يوجد مفاجاءات كل ساعة حتى فى ساعة الفجر. يستيقظ المغنى "رفاييل" فى السادسة صباحًا، يستحم بالماء البارد حفاظًا على صحته، يحلق ذقنه ثم يبدل ثيابه و يلف منديل من الصوف حول رقبته، يضع ماء الكولونيا الخاص به ثم يبدأ تمارين الغناء بكل روحه و جسده. يفتح الشباك حتى أثناء الشتاء و يبدأ بتسخين حنجرته بإلقاء بعض الجمل و الألحان العاطفية ثم ينطلق فى الغناء بكل قوة. فى كل صباح يأتيه زأير الأسد من حديقة الحيوان المجاورة حتى أن "الخالة أنطونييتا" قالت عنه أنه نسخة من القديس "مارك"، فهو الوحيد الذى إستطاع مخاطبة الأسد.
فى ذات صباح لم يجب الأسد فراح المغنى "رفاييل" يغنى أغنية عاطفية شهيرة بالإيطالية فتجاوب معه الأسد. إستمر الإثنين معًا حتى أن الحى بالكامل إستيقظ من النوم و إستمتع الجيران بهذا الثنائى الجميل.. و حزن المغنى "رفاييل" كثيرًا عندما علم أن صوت الأسد لم يكن إلا صوت "ماريا الجميلة".
شعرت بأن "ماريا الجميلة" لم تفتعل هذه الدعابة إلا لكى تساعد "مارجاريتو" على الاندماج بيننا، و بالفعل منذ هذا اليوم أصبح يأكل معنا حول نفس المنضدة بعد أن كان يأكل وحيدًا فى المطبخ . كما أن "ماريا الجميلة" تقرأ لنا كل يوم الجرائد حتى نعتاد اللغة الإيطالية، تتعمد تلحين بعض العبارات لتخلق جوًا من المرح و المحبة بيننا. و فى ذات يوم قصت لنا بمناسبة "القديسة" أنه يوجد متحف فى" بالرم" متخصص للجثث السليمة يوجد به جثث أطفال، سيدات، رجال، و قساوسة أيضًا. أذهل الخبر "مارجاريتو" حتى أنه لم يستطع الإنتظار لحظة واحدة فذهبنا إلى هناك، فحص المتحف بدقة بالغة ثم قال بأسى:
ـ لا توجد حالة واحدة تشبه حالتى، واضح جدًا أنهم جميعا أموات.
بعد الغذاء تنؤ "روما" تحت شمس أغسطس التى تظل ثابتة فى كبد السماء بلا حركة، تهدأ الحركة فى الشوارع فلا يُسمع إلا خرير ماء، و هو الصوت الطبيعى لروما. فى السابعة مساء تُفتح النوافذ كلها دفعة واحدة للإستمتاع بالنسمات الطازجة الهادئة، تبدأ الضوضاء فى الشوارع، ضوضاء الحياة وسط هدير العجلات البخارية و صياح البائعين و أغانى الحب فى الشرفات المزهرة.
المطرب "رفاييل" و أنا لا نقيلان بعد الغذاء. يقود دراجته البخارية و أنا خلفه فوق حمالة الحقائب، نذهب لشراء الجيلاتى و الشيكولاتة لفتيات الهوى الصغيرات المتسكعات فى حديقة الحيوان بحثًا عن الزبائن من السواح، فتيات فى غاية الرقة و الجمال، ودودات مثل كل الإيطالين، لا يطلبن الكثير من الأموال، كما أنهن بالإضافة إلى أصول و تقاليد مهنتهن من الممكن إصطحابهن فى عربات الحنطور إلى أحد المقاهى أو البارات.
فى ذات يوم إصطحبنا معنا "مارجاريتو" إلى حديقة الحيوان، ليس من أجل فتيات الهوى بل من أجل أن نريه الأسد عن قرب. كان الأسد يعيش حرًا طليقًا فى جزيرة معزولة بهوة عميقة، ما أن رأيناه حتى راح يزأر بشدة و يتحرك حركات غريبة أذهلت حارسه، تجمع الفضوليين حولنا، إعتقد المطرب "رفاييل" أن الأسد قد عرفه فراح يغنى له نفس الألحان التى يغنيها كل صباح، بيد أن الأسد لم يلحظه أبدًا. لاحظ الحارس أن الأسد لا يقصد إلا "مارجاريتو"، و كان محقًا فيما قال، فالأسد لا ينظر إلا إليه، لا يتحرك إلا معه، و عندما أخفينا "ماجاريتو" هدأ الأسد و سكن. إعتقد الحارس ـ الذى كان حاصلًا على الدكتوراه فى الأدب الكلاسيكى ـ أنه ربما يكون "مارجاريتو" قد إقترب من أسد آخر فعلقت به رائحته، أكدنا للحارس أن هذا لم يحدث، فقال:
- على كل حال إنها ليست صيحات غضب بل صيحات شفقة.
لم يتأثر المطرب "رفاييل" من هذا الموقف بقدر ما حزن و تأثر لموقف "مارجاريتو" من فتيات الهوى، فعندما وقفنا نتحدث إليهن إنطوى. نصحنا بعض الأصدقاء عن مكر أو صدق أنه يجب إيجاد فتاة تكون السلوى و العون للإستمرار فى الحياة .
إصطحب المطرب "رفاييل" فى الساعة الثانية بعد الظهر إحدى الفتيات إلى البنسيون، أدخلها حجرته، جعلها تستحم بالصابون ثم عطرها بعطره الخاص و وضع لها البودرة البيضاء التى يضعها بعد الحلاقة، دفع لها ثمن قضاء ساعة كاملة ثم أشار لها إلى حجرة "مارجاريتو".
طرقت الفتاة الباب، فتح "مارجريتو" فقالت:
ـ صباح الخير، آتيتك من طرف المطرب " رفاييل".
سمح لها بالدخول. إتجهت إلى الفراش بينما هو يقفل أزرار قميصه ليقابلها بالإحترام اللائق بها. ثم جلس على المقعد المجاور للفراش إستعدادًا للحديث. ذُهلت الفتاة، إستعجلته لأنها لا تستطيع البقاء معه أكثر من ساعة واحدة.
قصت لنا الفتاة بعد ذلك ما حدث موضحة أنها مستعدة للبقاء مع هذا الرجل أى وقت يحددونه دون مقابل، فهى لم تقابل شخصًا مهذبًا مؤدبًا مثله فى حياتها، قالت أنها تأملت الحجرة فوقع بصرها على الحقيبة، سألته إن كان هذا ساكسفون، لم يرد، بل حمل الحقيبة بجوار النافذة و فتحها. ذُعرت الفتاة و جرت متجهة إلى حجرة المطرب "رفاييل" فالقتط مع الخالة "أنطونيتا" و هى تبدل لمبة قديمة. صرختا الإثنتين ثم إنطلقت الفتاة هاربة من البنسيون.
أتى المطرب "رفاييل" جرياً، فقالت له " الخالة أنطونيتا" أنها تعلم جيدًا أن هذا البيت مسكون بالأرواح و لكن لم يحدث هذا أبدًا أثناء النهار، ثم راحت تحكى له عن الضابط الألمانى الذى سكن هذه الحجرة أثناء الحرب ،لقد ذبح عشيقته، ثم قالت منبهرة الأنفاس:
ـ لقد رأيت اليوم هذه العشيقة المذبوحة عارية أثناء النهار.
تعود المدينة إلى النظام فى فصل الخريف، تُغلق الشرفات المزهرة مع أول عاصفة. وأعود أنا و المطرب "رفاييل" نتقابل على العشاء مع أصدقائه المطربين و أصدقائى السنيمائيين فى المقهى الموجود بأحد الأزقة الضيقة. من بين السنيمائيين كان "لاكيس" هو الأكثر مواظبة على الحضور، يونانى ذكى خفيف الظل، لا يعيبه إلا حديثه المستمر فى الظلم الإجتماعى. لحسن الحظ فإن جميع الأصدقاء يوافقونه حتى يندمجوا فى الغناء الجماعى، نغنى بأعلى صوت، غنائنا لا يزعج أحدًا، بل فى كثير من الأحيان ينضم إلينا الجالسين على المناضد الأخرى، و فى نهاية الغناء يفتح الجيران نوافذهم ليصفقوا لنا.
فى ذات مساء بينما كنا مندمجين فى الغناء أتى " مارجريتو " ماشيًا على أطراف أصابعه حتى لا يزعجنا، يحمل الحقيبة المصنوعة من خشب الصنوبر ـ لم يكن لديه الوقت الكافى ليعيدها إلى البنسيون بعد أن حضر إجتماع أحد الجمعيات الدينية ـ رأيته و هو يضع الحقيبة تحت المنضدة ثم جلس ينتظر حتى نفرغ من الغناء. الجميع هنا يعرفه على أنه الكولومبى الغامض الحزين و لا أحد يعلم عنه أكثر من ذلك. سأله "لاكيس" إن كان يلعب الكمان، وجمت. لم يستطع "رفاييل" إصلاح الموقف بيد أن "مارجريتو" أجاب ببساطة و هدوء:
ـ إنها ليست كمان بل القديسة.
وضع "مارجريتو" الحقيبة على المنضدة، فتح القفل ثم رفع الغطاء فتطايرت الصيحات المندهشة تدوى فى المكان، تجمع كل الجالسين و العاملين، راحت إحدى عاملات المطبخ ترتجف و هى تصلى.. بعد أن مرت الصدمة الأولى راحوا يتحدثون عن رحلة العذاب المضنية من أجل إعلان القداسة. فى النهاية إقترح "لاكيس" عمل فيلم عن القديسة قائلًا:
ـ أنا واثق أن "سيزار" العجوز لن يترك هذا الموضوع أبدًا.
كان يقصد "سيزار زفاتينى"، أستاذنا فى السيناريو و أحد كتاب السينما الكبار و هو أيضًا الأستاذ الوحيد الذى يقابلنا خارج المعهد، يسعى جاهدًا إلى أن يجعلنا نرى الأشياء من منظور فنى مختلف، بارع فى الحبكة الدرامية، الأفكار تأتيه دفعة واحدة رغمًا عنه، وحينما يكون الإلهام عصيًا عليه يصبح فى حالة نفسية سيئة جدًا فيقول أن أفكاره تفقد عظمتها و أهميتها على الشاشة.. لقد قررنا زيارته فى السبت القادم و معنا "مارجريتو".
وجدنا "زفاتينى" ينتظرنا بصبر نافذ حتى أنه نسى أن يرحب بنا كعادته، إصطحب "مارجريتو" إلى المنضدة، فتح الحقيبة بنفسه فحدث ما لم نكن نتوقعه أبدًا. بدلًا من أن يسعد بهذه القصة المثيرة و يقول مذهولًا "معجزة". تأمل القديسة فى هدوء لمدة دقيقتين أو ثلاثة ثم أغلق الحقيبة دون أن ينطق بكلمة واحدة. إصطحب "مارجريتو" من يده كالطفل إلى الباب، صافحه و هو يربت على ظهره قائلًا:
ـ شكرًا يا بنى، دعواتى لك بالتوفيق فى هذه المعركة.
أغلق الباب خلفه ثم إستدار لنا معلنا قراره:
ـ هذا الموضوع لا يصلح للسنيما، لن يصدقه أحد.
ما أن عدنا إلى البنسيون حتى فوجئنا بـ"ماريا الجميلة" تخبرنا بأن "زفاتينى" فى إنتظارنا الآن لكن بدون "مارجريتو". عدنا إليه فوجدناه فى قمة لحظات الإلهام، صاح فينا قائلًا:
ـ وجدتها، سيكون الفيلم قنبلة الموسم إذا أكمل " مارجريتو" المعجزة و بعث الصغيرة.
سألته:
ـ فى الفيلم أم فى الحقيقة ؟
أجابنى بفتور:
ـ لا تكن أحمقًا.
رأينا بريق فكرة مجنونة فى عينيه ثم قال:
ـ ربما يكون قادرًا بالفعل على بعث الفتاة.
ثم أكمل بكل جدية و صدق:
- عليه أن يحاول على الأقل.
أذهلتنا فكرته. راح يتحرك فى جميع أنحاء البيت سعيدًا و هو يحكى لنا الفيلم بصوت رخيم حتى أننا تخيلنا الأحداث و هى تعرض على الشاشة:
ـ فى ذات ليلة، بعد أن يكون قد توفى عشرين بابا رفضوا جميعًا مقابلته يعود إلى بيته عجوزًا متعبًا، يفتح التابوت، يتلمس وجه الصغيرة بكل حب و حنان وي قول لها: من أجل أبيك إنهضى يا ابنتى.
نظر "زفاتينى" إلينا جميعًا الواحد تلو الآخر ثم أكمل بلهجة المنتصر:
ـ و تنهض الفتاة الصغيرة.
إرتبكنا جميعًا من تخيلاته، لكن "لاكيس" رفع يده كما لو كان تلميذًا فى المدرسة يطلب الحديث:
- أسف أستاذنا العزيز، أنا لا أقتنع بمثل هذه الخرفات.
فتح "زفاتينى" فمه فى ذهول قائلًا:
ـ لماذا إذن؟
ـ لا أعرف.
صرخ "زفاتينى" كأنه يريد أن يسمع الحى بالكامل:
ـ مشكلة الشيوعيين أنهم لا يعتقدون فى الحقيقة.
على مدى خمسة عشرة عامًا ـ على حسب ما قص لى "مارجاريتو" ـ كان يصطحب القديسة إلى "كاستل جاندوفلو" فى كل إجتماع على أمل مقابلة البابا منفردًا بعيدًا عن الحجاج ... وُفق أخيرًا فى مقابلة البابا "جون" الثالث و العشرين الذى لم يرى القديسة لأنه أخطرنى أنه يجب تركها فى مكان حفظ الأمانات تبعًا للقوانين. إستمع إليه البابا باهتمام بالغ ثم ربت على وجنتيه قائلًا:
ـ حسن، سيكافئك الله كثيرًا على مثابرتك.
بعد يومين، استقبل رسالة بسيطة و جادة فى البنسيون تقول:" لا يجب مغادرة روما لأنك مدعو إلى إجتماع خاص فى الفاتيكان فى خلال الأسبوع القادم".
لم يصدق "مارجاريتو " ما حدث، مكث فى البنسيون لا يغادره أبدًا، إذا ذهب إلى دورة المياه يخبر الجميع فتضحك "ماريا الجميلة ". و بعد يومين قرأ فى أحد الجرائد عنوان كبير يقول "وفاة البابا".
عدت إلى روما بعد إثنتين و عشرين عامًا، كل شىء قد تغير، لم أجد الأزقة الضيقة التى كنت أعتبرها ملكًا خاص بى. ذهبت إلى معهد السينما فلم أعثر على أحد يعرف "زفاتينى". ذهبت إلى العمارة التى بها البنسيون فلم أجد أحدًا يعرف "ماريا الجميلة". ذهبت إلى حديقة الحيوان، الاشجار حزينة كئيبة بلا زهرة واحدة بينما الأسد العجوز قابع هناك معزولًا فوق جزيرته.لا أحد يغنى، لا أحد يحب...
قابلت "مارجاريتو" مصادفة، عرفت منه ما حدث أثناء الخمسة عشر عامًا الماضية. بعد أن تركنى ذهب يمشى تحت المطر لا يأبه لشىء. أصبحت لا أشك للحظة واحدة فى أنه هو نفسه القديس.
* من كتاب "12 قصة مهاجرة" ـ جابريال جارثيا ماركيز ـ ترجمة: حسام أبو سعدة ـ دار الكتاب العربى.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق