الأحد، 18 فبراير 2018

اليوم غاب صاحب الصدقة الأنيقة ، بقلم /خالد سليمان

اليوم غاب صاحب الصدقة الأنيقة ، بقلم وألوان : خالد سليمان
************************************************
روح عجيبة وقلب عجيب ورجل عجيب ، يكبرني بأعوام ، ومع هذا كان يشعرني أنّه طفلي المدلّل الوحيد ، يعيش في مداره الخاص كقمر فريد ، دائما أراه قويا رغم الظروف التي تمرّ به ، ودائما آراه غنيّا رغم بساطة حاله ، ودائما أراه حبيبا لكلّ الناس ، روح من العفّة تمشي على قدمين .
أرقبه فجرا تنتظره قطعان القطط على السلّم ، وهو يحمل إليها بقايا السمك الذي يعشقه ، وهو يعلّل ذلك بقوله : أفرح جدا إذا كان غداءنا سمكا ؛ حتى تأكل القطط فجرا بقايا الأسماك ، ويدهشني جدا أنّه إذا رأى قطين يتشاجران يقترب منهما ؛ ليفضّ الشجار ، ولو تمكن من الصلح بينهما ليقبّل كلّ منهما الآخر ؛ لفعل .
يسكن في الطابق الرابع ، وأنا في الطابق الخامس ، ما التقيته يوما إلا وعلّمني درسا مفيدا ، وفتح لي بابا سهلا من الخير يؤدّي إلى الجنّة .
التقيته يوما في السوق يناديني بصوته الرقيق ، ويهديني ثلاث حزم من الجرجير والفجل ، قائلا بابتسامة طفولية : الناس تهدي بعضها وردا ؛ وأنا أهديك فجلا وجرجيرا ؛ فتفضّل ، 
فابتسمت وقلت : غدا سأهديك بصلا وكراثا ، 
فابتسم وقال : خير وبركة ، أي شيء منك يا أستاذ خالد مقبول مقبول مقبول ، 
وسرت خطوات ؛ لأسمعه ينادي صديقا لنا ، ويكرّر على مسامعه ما قاله لي بالضبط عدا الاسم فقط ، فعدت بفضولي ؛ لأعرف سرّ الفجل والجرجير ، واقتربت منه ؛ لأرى كومة من حزم الجرجير والفجل ، فقلت : ما سرّ جبل الجرجير والفجل الذي خلفك ؟؟ 
فابتسم وقال : عد إلى منزلك ، سأخبرك ليلا ، 
فقلت : فضولي سيعذبني ، فقال : سأعطيك درسا في الصدقة الأنيقة ، 
فابتسمت وقلت :صدقة أنيقة ؟ من أين ارتدت أزياءها ؟ وما العطر المفضّل الذي تعطّرت به ؟ ، فابتسم وقال : لا حرمني الله من خفّة ظلّك يا أستاذ خالد ، سأخبرك وتعلّم ،
منذ ساعة مررت على بائعة ما - ولم يذكر اسمها - وقال : فالتقطت مسامعى حوارا دار بينها وبين ابنتها الطالبة ، وهي تقول لها : والله يا بنتي لسة ما بعتش بالمبلغ اللي أنت عاوزاه ، ويمكن يتبقى خضار لغد ، 
فبكت البنت بدموع غزيرة ، فقلت : باب مفتوح إلى الجنّة ، وخاصة أنّ هذه البائعة لا تقبل صدقة من أحد ، فتقدّمت متجاهلا ما تبيعه ، ثمّ عدت بخطوة سريعة ، وقلت : هل هذا الجرجير جاء من حقله اليوم أم من أيام ؟؟ ، 
فقالت : كما ترى من الفجر وأنا أجمعه ، فتظاهرت أنّ عندي عمال بناء كثيرين ، ويحتاجون للغداء وكميات من الفجل والجرجير ، واشتريت ما لديها ، وأنا أتظاهر بقبول حزمة ورفض أخرى وفي النهاية اشتريتها كلّها ، وابتعدت عنها ؛ لأوزّع كما ترى ، تعلّم يا فتى ، فنون الأناقة ، تعلّم .
ومن يومها وشخصية هذا القلب الجميل تمتلك سماء إعجابي ، 
دعاني يوما لنرتشف قهوة العصر في شرفته ، فوجدت بجواره أوعية بها فتات خبز ، وبقايا أرز الغداء ، فقلت له : هل تربّي دجاجا في شرفتك الأنيقة ؟ 
فقال : أربّي ما هو أفضل ، فتعجبت من قوله حين قال : هذا للعصافير ، فقلت وأين القفص ؟ ، فقال : لا ، القفص تعذيب وحبس للطائر ، ولكنّ عصافير الصباح عرفت طعامها وشرابها عندي ، وهي تأتي لتشاركني أذكار الصباح ، وتعجبت من زجاجات نصفها ماء قام يكملها ، وهو يقول : فطور العصافير جاهز وشرابها أيضا ، 
وما كان منّي إلا فعلت مثله ، عندما عدت إلى بيتي . 
دعاني إلى طبق أرز باللبن ؛ فأجبته ، وأثناء طعامي وقعت حبّات أرز على الأرض ، فانكفأ سريعا يجمعها قائلا : كم فيها من الذرّات ، ستعلم قدرها أمام الميزان يوم القيامة ! 
وأخذها وضعها لعصافير الصباح ، وهو يقول مكررا : اللهمّ تقبّل يارب 
وها هو تحت بيته قد وضع علبا كبيرة موضوعة بشكل يسهل على كلاب وقطط الشارع أن تشرب منه بيسر ، وكل صلاة يتعهّد تلك الآنية بشكل من التنظيف والتجميل ،
روح مشحونة بالحبّ والرحمة تتحرّك على الأرض ، ما رآني مهموما ؛ إلا وربت على قلبي قبل كتفي ، وأخبرني أنّ الحزن أسلوب شيطاني ، وأننا منهيّون عن الحزن : ((لا تحزن إن الله معنا)) ، ((ولا تخافي ولا تحزني)) 
اليوم غاب صاحب الصدقة الأنيقة ، رئة جمال وحب وقوّة وابتسام ، 
فاللهمّ بحقّ جلال وجهك وعظيم سلطانك ، تقبّل منه كلّ خير صنعه يارب يارب يارب ، 
أضفى بأفعاله إلى الصدقة مفهوما جميلا علّمنيه : ليس المهم أن تنتفع بالشيء الذي تشتريه من البسطاء ، ولكن شجّعهم على العفّة والحلال .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق