بسم الله الرحمن الرحيم
قادة التاريخ
"التخطيط والتحضير للمعركة وقصة شهادة أمراء مؤتة"
تقديم الدكتور أحمد محد شديفات / الأردن التخطيط له أهمية والتحضير أهم والمبادرة ضربة أستبقيه كانت للمسلمين في حُسن اختيار سهل مؤتة بتوفيق من رب العالمين، فميدان المعركة له أهميته في الصول والجول، فجغرافية المكان وتضاريسه يساعد على الحركة فهو يقع في أرض منبسطة ويقع خلفها سلسلة جبال غير مرتفعة، ثم سعة الصحراء خلفهم يساعد على الانسحاب في حال الضرورة كما سيحصل فيما بعد، وهذا الاختيار للمكان لم يأت من فراغ، وتم ترتيب الجيش الإسلامي فقد جعل القائد زيد بن حارثة في القلب فهو مغوار لا يشق له في الحرب غبار وصاحب مراس وتجربة قاتل في سبع سرايا قبل مجيئه مؤتة، ومعه في نفس المكان خالد بن الوليد وعلى ميمنة الجيش قائد آخر هو قطبة بن قتادة من بني عذرة، وعلى ميسرة الجيش القائد عباية بن مالك من الأنصار رضي الله عن الجميع ،وبدأت المعركة في بداية شهر أيلول عام 629م الموافق للثلث الأخير من جمادى الأولى في العام الثامن للهجرة، بدأت على أشدها ضراوة من أول منازلة كانت مقتل مالك بن زافلة قائد القبائل العربية الموالية للروم، قتله قائد ميمنة الجيش الإسلامي قطبة بن قتادة، وقال" طعنت ابن زافلة بن الإرا *** ش برمح مضى فيه ثم انحطم" وبقيت راية الجهاد مرفوعة بيد قائدها زيد بن حارثة مدة ستة أيام متواصلة وهو يصول بها ويجول على الرغم من تكرار الهجمات وتواليها عليه بالذات، لما للراية من مكانة في ذلك الزمان، حتى هوى شهيدا في جسده بضع وتسعون طعنة سيف، أو رمية رمح...وبهذا ارتفعت روحه إلى بارئها على ثرى الأردن أرض الرباط، وبدمه الزكي طهر المكان وأفتخر به الزمان وبقي علم من الأعلام في ذلك الميدان حتى يلاقي ربه الرحمن من ذلك المكان والرسول صلى الله عليه وسلم ينقل الحدث أولا بأول كأنه معهم فعَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّهم عَنْه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَى زَيْدًا وَجَعْفَرًا وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ فَقَالَ أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ حَتَّى أَخَذَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ "إذن هذا أول نبأ وخبر يصل إلى مسامع أهل المدينة المنورة وهو استشهاد زيد بن حارثة القائد الأول رضي الله عنه، مما يدلل على ترتيب شهادة الشهداء حسب وضع الرسول لهم، وعلى تعلق المسلمين بنتائج هذه الغزوة فهي الفيصل بينهم وبين الرومان، والآن في ميدان مؤتة فارس من فرسان بني هاشم ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعرف إلا الْمَوْتُ الزُّؤامُ حمل الراية خفاقة عالية فوق هامة فرسه الشقراء يَجوب بها ذهابا وإيابا غير هياب ولا يحسب للعدو على كثرته حساب، إلا ان كثرة السهام والرماح وتقارع السيوف كلها باتجاه، وهو يردد من شعره :- يا حبذا الجنة واقترابها*** طيبة وباردا شرابها
والروم روم قد دنا عذابها*** كافرة بعيدة أنسابها---عليَّ إن لاقيتها ضرابها عندها نزل عن شقرائه ونحرها في الميدان لما رأى أنه أحيط به من كل مكان،حتى لا يستفيد منها الأعداء وهو وهي أول فرس إسلامية تنحر في ذلك المكان، وتقطع يمينه حاملة لواء راية الإسلام ويأخذها بيسره، وتقطع يساره ، عندها ضم الراية بين عضديه والدم ينبض على جنبيه دون أن يرميها أو يخليها، وقاتل حتى الرمق الأخير مقاتلة الأبطال دون استسلام أو الهروب من ميدان القتال، أي مقاتل هذا؟ تلك صفات لم يكتب التاريخ لمثل هؤلاء القادة، ويلحق جعفر شهيدا بأخيه زيد رضي الله عنهما، وبعد أن أنكشف الميدان قال أحدهم وجدت في مقدمة جعفر بضع وثمانون طعنة ورمية ولم أجد على ظهره أي طعنة مما يلل أنه استقبل العدو مقبلا غير مدبر رضي الله عنه وأرضاه، وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم رأيت جعفر بن أبي طالب ملكا يطير في الجنة مع الملائكة بجناحين" كل هذا بدل ما فقد من يدين وعضدين أكرمه ربه بجناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء، اللهم أكرم شهداء المسلمين إلى يوم الدين بفيض عطائك العظيم، والآن الراية مع القائد الثالث عبدالله بن رواحه حملها خفاقة في ميدان الجهاد، وقال من شعره:- يا نفس إلا تقتلي تموتي***هذا حمام الموت قد صليت وما تمنيت فقد أعطيت*** إن تفعلي فعلهما هديت ومن أطرف ما حصل معه وهو جائع من يومين يناوله أبن عم له قطعة لحم ليسد بها رمقه فيتناولها ليأكلها فانتهس منها نهسة ، فقال في نفسه إنها لحياة طويلة حتى أتم أكلها، ويتابع القتال ويتركها ضاويا على جوعه ليلاقي وجه الله جل جلاله في علاه، غير متخم من الدنيا ومتاعها شهيدا في ميدان مؤتة مع رفاق سلاحه زيد وجعفر ، أنها معركة بترتيب وتخطيط سليم وتسديد من رب العالمين، هذا الأمر له وقع في نفوس المؤمنين أن يسقط القادة الثلاثة شهداء على أرض مؤتة "وقد شهد لهم بالشهادة صلى الله عليه وسلم قال: أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيداً، ثم أخذها جعفر فقاتل حتى قتل شهيداً وصمت قليلاً ثم استأنف الحديث قائلاً: ثم أخذها عبدالله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيداً، ثم صمت وتألقت عيناه بوميض متهلل مطمئن ومشتاق، ثم قال: "لقد رفعوا إلي في الجنة" استدل الستار وسجي الشهداء إلى جنة الخلد بمشيئة الله، الآن الجيش بدون قيادة، ومع هذا ما وقع في تقهقر ولا في ارتباك بقي صامدا كالطود العظيم، لأن الأنفس هدفها التوحيد وأهلوا ليسوا عبيد الدنيا، من الصعب في المقاييس الدنيوية أن تأتي الحلول سريعة إلا إذا كانت النية خالصة لله، ولم يلفت نظر الجيش الروماني أي اختلاف على واقع المعركة وهذا ما ستعرفه في اللقاء التالي إن شاء الله
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق