الجمعة، 7 أكتوبر 2016

نصوص أدبية أغنياء التعفف ! بقلم / أحمد عبد اللطيف النجار

نصوص أدبية 
أغنياء التعفف !

بقلم / أحمد عبد اللطيف النجار
أديب مصري 
ــ ليست مجرد قصة ــ
هل تعرفهم، إنهم هؤلاء الذين لا يسألون الناس ولا يمدون يدهم لأحد طلباً للمساعدة رغم حاجتهم الشديدة ، إنك لا تشعر بهم ولكنهم موجودين حولك في كل مكان وتمنعهم عزة النفس عن ذُل السؤال .
أثناء ذهابي إلى عملي لفت نظري منزل قديم جداً له حديقة واسعة ذات باب حديدي صدئ تظهر من خلال فتحاته أطلال حديقة تمتلئ بالأشجار وأصص الزهور والتكعيبات الخشبية التي تتسلق عليها النباتات المختلفة .
لاحظت خلال مروري يومياً بهذا البيت أن الحديقة رغم أشجارها وزهورها وتكعيباتها ميتة وأن أوراق الشجر والزهور قد جفت بسبب نقص الماء فيما تصورت !
ذات يوم شاهدت صاحبة هذا البيت فرأيتها سيدة نحيلة هزيلة الجسم للغاية وشاحبة الوجه، كل هموم الدنيا ظاهرة على وجهها .
أثارت تلك السيدة النحيلة وحديقتها الميتة فضولي ، فسألت الجيران عن قصتها وعرفت منهم أنها تدعي سمية وأنها تعيش في هذا المنزل العتيق وحيدة .. وأنها أرملة لمهندس زراعي يدعى صبحي ، كان يعاني من مشكلة في الإنجاب فلم يرزقا بأطفال ، ففكر في تعويض افتقاد الأطفال في حياته بتركيز كل اهتمامه ووقته للعناية بالحديقة وزراعتها وتنسيقها .
كان المهندس صبحي بخيلاً للغاية ومقتراً على زوجته ، فلا يعطيها أية نقود وإنما يقوم بنفسه براء متطلبات البيت أولاً بأول ويحاسبها ويدقق معها بشدة في نفقات المعيشة .
استمرت حياة سمية مع زوجها على هذا النحو عشرين عاماً ، وذات يوم وصبحي يعبر الطريق صدمته سيارة مسرعة فتوفى على الفور ، وفقدت سمية 
بفقدها الرفيق والشريك والسند الوحيد لها في الحياة رغم بخله وكل عيوبه !
لم تكد تمضي بضعة أيام على وفاة زوجها حتى كشف لها إخوته عن حقيقة مذهلة ، لقد أخبروها ( هكذا ببساطة) إنها ليست أرملة شقيقهم الراحل وإنما هى مطلقته وأنه لا حق لها في ميراثه أو معاشه أو في البقاء في البيت الخالي بعد وفاته ، وقدموا لها بالفعل وثيقة طلاق تثبت طلاقها من زوجها قبل خمس سنوات من رحيله عن الحياة !!
وكانت الصدمة هائلة على سمية وتساءلت : مع أي رجل إذن كنت أعيش وقد كان حتى وفاته يحيا معها حياة زوجية كاملة ؟!
يا إلهي إلى هذا الحد بلغ ظلم الإنسان لأخيه الإنسان !!
بعد الصدمة بدأت سمية رحلة المعاناة الطويلة للمطالبة بحقوقها عن طريق المحاكم وطعنت بالتزوير في وثيقة الطلاق وكان الله معها رغم أن تقرير الخبراء أثبت صحة الوثيقة ، فقد أخذت المحكمة بمبدأ الرأفة تقديراً لظروفها وبشهادة الجيران الذين وقفوا معها وشهدوا أنها كانت تعيش مع زوجها الراحل في بيته حياة زوجية كاملة وطبيعية بلا أي مشاكل أو أزمات ، وأنها لم تعرف أبداً ولم يعرف أحد من الجيران أنه قد طلقها ولم يشر حالهما إطلاقاً إلى أنهما مطلقان أو منفصلان ، فقضت لها المحكمة بالبقاء في منزل الزوجية وعدم تعرّض إخوة زوجها لها وعدم التصرف في البيت طوال حياتها !
وتم رفض الدعوى التي أقامها عليها إخوة زوجها لطردها من البيت 0
هكذا واجهت سمية الحياة بعد رحيل زوجها الغادر ، تقيم وحيدة في بيت لا تملك طوبة واحدة منه ولا حق لها فيه سوى حق الإقامة فقط !.. وبلا أي ميراث أو معاش وبلا مدخرات ولا أقارب يتكفلون بها .. لقد رحل زوجها عن الحياة تاركاً لها الإحساس المُر بالدنس والعار والحاجة !
إنها تلعنه في كل صلاة ومع كل آذان بدلاً من أن تترحم عليه !!
مرت الأيام علي تلك السيدة المسكينة ، باعت خلالها كل ما كانت تملكه من مصاغ قليل كي تسد بثمنه رمقها وانعكس حالها المؤلم على حال الحديقة التي كانت زاهرة تزقزق فوق زهراتها العصافير ، وكأن الأزهار تشعر بمحنتها وتتجاوب معها ؛ فهزل جسم سمية وجفت دماء الحياة فيها تدريجياً من سوء التغذية وذبلت أشجار حديقتها وجفت أوراق أصص الزهور وماتت النباتات المتسلقة لقلة الماء ونقص الرعاية وتراكمت علي المرأة المبتلاة فواتير الماء والكهرباء حتى تم قطعهما عنها نهائياً !!
عاشت سمية في ظلام دامس وبدون قطرة ماء ووهنت قواها حتى لم تعد تقوى على فتح نوافذ البيت كل فترة لتهويته ، فتظل الأبواب والنوافذ مغلقة وكأن البيت مقبرة !
عندما علمت ذلك حاولت مساعدتها ببعض الماء وفعل مثلي بعض الجيران ، فكانت تستخدمه في النظافة والوضوء ولا تشكو حالها لأحد سوى خالق الأرض والسماء ، وفي كل مرة أذهب إليها حاملاً بعض الماء والزاد أتعجب لاحتمالها كل هذه الأهوال بصبر عظيم على هذا الابتلاء حتى أنني كنت أدير وجهي عنها لكيلا ترى دموعي تتساقط إشفاقاً على حالها !
وأدعو الله العلى القدير أن يرفع عنها هذا البلاء ، فتلك مأساة حقيقية لسيدة فاضلة مسكينة غدر بها زوجها دون أن تسئ إليه وهي ممن عناهم الحق سبحانه وتعالى بقول عز وجل : ( يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً) 273/ سورة البقرة .
هؤلاء هم الأحق بالرعاية والعطف والعطاء لأنهم بعزة نفوسهم لا يسألون الغير ولو كانت بهم خصاصة ، ولقد تعتصر الحاجة أحدهم فلا يطيعه لسانه في الطلب أو الشكوى لغير الله ، وينبغي على الجميع التحري عن هؤلاء في أماكنهم وخلف أستارهم التي يستترون وراءها ، نكفيهم ذل السؤال ونحاول حفظ كرامتهم وماء وجوههم من أن يُراق بذل السؤال !
لقد أصابتني الدهشة والعجب في فهم الأسباب التي تدعو رجلاً يشارك زوجته الحياة تحت سقف واحد وترضى هي بحياتها معه رغم حرمانها من الإنجاب وبخله معها ويكون جزاؤها أن يطلقها سراً ويتكتم أمر هذا الطلاق مع إخوته الجبناء فلا تعلم به في حينه ، ثم يواصل حياته معها كزوجين يجمعهما فراش واحد ، ويقبل هو على نفسه بهذا الوضع الآثم ويرضى بهذا الخنا والعار على زوجته متحملاً عنها وزره بالكامل ، ويعلم به إخوته فلا ينهونه عنه ولا يحثونه على تصحيح وضعه الشائن ووضع تلك الزوجة المخدوعة الضحية !! 
وبعد وفاة أخيهم يشهرون على الفور في وجه أرملته المسكينة وثيقة طلاق عمرها خمس سنوات ويسعون لطردها من بيت أخيهم وحرمانها من ميراثه ومعاشه ، فأي شيء من متاع الحياة الدنيا يستحق أن يشارك إنسان أخاه الإنسان بالصمت الشائن على مثل هذا الدنس الذي ينكره الشرع والدين ؟!
لعن الله الشح والبخل الذي صبغ نظرة بني أدم إلى كل شيء في الحياة بالصبغة المادية الكريهة حتى ولو كان ذلك على حساب الحق والعدل والفضائل الدينية 
والأخلاقية .
يا إلهي إنها صورة بشعة من خطايا النفس البشرية وآثامها ، ويكفي هذا الزوج الغادر البخيل ما ينتظره من عقاب في الآخرة ، ولسوف يعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحمد عبد اللطيف النجار 
أديب مصري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق