الثلاثاء، 4 أبريل 2017

أربعة أبعاد في ثنائية فؤاد حجاج { غربة وطن } بقلم الشاعر محمد البنا



أربعة أبعاد في ثنائية فؤاد حجاج
 { غربة وطن }
Image may contain: 1 person
أول ما يجذب أنظارنا في ثنائية فؤاد حجاج " غربة وطن " بعد الإهداء، هو المدخل إلى عبد العال...إثنا عشر سطرًا شعريًا.. شكلوا هرمًا، وتحققت فيهم البنيوية الشعرية بكل عناصرها وأعمدتها الأساسية، الوصف والتحليل، النسق والتركيب والدال والمدلول والمستويات ، الإختلاف والتضاد والتفاعل والإيحاء .
 إن البنوية الشعرية عند فؤاد حجاج ترتكز على عمودين أساسيين، هما الوصف والتحليل، يتفرع منهما مرتكزان ثانويان، ينبع كلٍ منهما من مرتكز أساسي، فالوصف التصويري ينبع من مشهديته الدقيقة إنغماس المتلقي دون وعي في كادر المشهد كأنه أحد أبطاله، وهو مرتكز إن جاز لي أن أسمّيه، سأسمّيه " مغناطيسية المشهد " ، والمرتكز الثانوي الثاني النابع من التحليل ، هو دفقة وعي يسكبها الشاعر في ذهن المتلقي ، ويدفعه دفعًا إلى التفكر والتأمل والتساؤل والبحث عن أجوبة، وهذا المرتكز الأخير سأتعرض له في الفقرة الختامية للدراسة .
 الوصف الدقيق بما يفي بمشهدية كاملة متكاملة، عين كاميرا فوتوغرافية تلتقط أدق التفاصيل مهما صغُر حجمها، يمزجها الشاعر بمهارة مع المرتكز الثاني ، مستعينًا بأدوات بسيطة ك { كإن ، كِن , رغم إن ، أوعى تفكر ، لكن ، ... } أدوات تشبيه وأستدراك وتنبيه ، إلا أن شاعرنا بعبقريته الوجدانية أتى بها في مدلولها الشائع،وأضفى عليها ثوبًا جديدًا أتقن صياغته، فاستخدمها ببراعة لتحليل ما قبلها بإضافته لما بعدها، وواكب ذلك بدلالات وجدانية تُشبع وجدان المتلقي، وبلغةٍ رغم عاميّتها القحّة، إلا أنها مفهومة ومستوعَبة يدرك المتلقي معانيها بيسر وسهولة، لدقة المشهدية الشعرية، ودفق الأحاسيس، فتنفتح شهيته لإلتهام المزيد .
 ع السكة تلاقيهم ......السكة طريق أو شارع.. دالة ظاهرها ثابت { جماد} وباطنها متحرك، يحوي في فضائه كل المتخيل من أشخاص ومنازل ومركبات وكائنات، إذًا المدلول هنا ببساطة ..رحلة حياة وموت...بداية ونهاية وبينهما تدور عجلة الأيام.
شماريخ
جلاليب
 عبي وبناطيل......جميع فئات البشر على إختلاف طبقاتهم ومستوياتهم الفكرية، والصورة هنا في ظاهرها تجمعية ولكن في باطنها هى تفكيكية تعتمد على المظهر{ الزي} لتحديد الهوية، وتعددها النوعي .
وقليل حين تلقى ف جوّاهم {ناس}.....فارغون من القيم...إيحاء جلي
و{ الناس } ياما....وهنا أيضًا إيحاء بكثرة ولكنها تشع أسى وإحباط، فهم كثرة ولكن غثاءً كغثاء السيل .
 وصاحبنا عبد العال....نبرة الصوت بالتأكيد إختلفت، من هم وأسى إلى ما يشبه الفرحة ، كما يجب علينا ألا نهمل التنسيب للراوي ..هناك { هم } وهنا { نا }، والمدلول أن الراوي والمتلقي { تقديرًا من الراوي} وعبد العال ..نوعية تختلف عن الباقين .
 كان ويّا { الناس} ف الكفر الضيق.. حيث يعيش معهم رغم إختلافه الجوهري عنهم { ويا }، ووصف المكان بالضيق..دالة على معاناة معيشية .
لكن جوّه ف قلبه الواسع
 { ناس} ....... هو مختلف، رغم قلة الرزق وضنك المعيشة، إلا أنه يمتلك قلبًا ودودًا محبًا رحيمًا ، متفاعلًا مع الكل، وبذا يتحقق عنصري التركيب وتعدد المستويات مجتمعين في جملة واحدة ، ونجد الإختلاف والتضاد متحقق في { الضيق/ الواسع ، قلبه / ياما}، ونجد التفاعل متحقق في { كان ويا الناس }، والمستويات متحققة تصاعديًا من الشتات إلى المركز { السكة / الكفر ، الناس/ الفرد } .
 كان ما سبق تفكيكًا لجمل شعرية، الآن دعونا نراها كمشهدية كاملة من زاوية البنوية الشعرية، سنجد أن التفكيك متحقق في الإنتقال من الكثرة العددية إلى الفرد ، ثم من الفرد إلى الكثرة { الناس / عبد العال / الناس / قلبه / ناس }، ونجد الإيحاء الكلي المستند على التركيب في أن الناس رغم كثرتهم ..قلة، وعبد العال وحده ..أمة .
 كلنا نعرف أن لكل هرم قمة وقاعدة ، أما القاعدة فقد تكلمنا عنها آنفا،والقمة هنا هى فيما بين الأقواس { الناس ، ناس }, أي عبقريةٍ أبدعت هذا الجمال!، أي عبقريةٍ عرّفت الطالح { الناس } ، ونكّرت الصالح { ناس } !؟ ، إيحاءً بأنَّ حياتنا طغى عليها الفسدة حتى صاروا أعلامًا، وتوارى وتضاءل الصالحون، أو كأن الباطل ساد وعمّ الفساد ، رغم أن المتعارف عليه أن التعريف تحديد وتخصيص، والتنكير شيوع وتجهيل ، إلا أن براعة الشاعر العبقري حوّلت المخالفة إلى جمال ما بعده جمال، وهو ما سأتعرض له فيما بعد ذاكرًا لمحة مضيئة عن فلسفة علم الجمال في هذه الثنائية الرائعة.
 قس على ما سبق وحللناه معظم فقرات الثنائية، بما يؤكد لنا أن البنيوية الشعرية عند فؤاد حجاج مكتملة النضج، وغنية ببلاغتها التصويرية أو الوصفية .
 ولنا وقفة متأنية متأملة، نتأمل فيها مشهد ديالوج مفترض، برع الشاعر خلال صياغته له في إبراز التفاعلات النقسية بدقة محكمة ، لا تقل عن بديع إحكامه للصورة الشعرية ذاتها، والمتدفقة حياة ....
يااااه.. كان يوم متغرب، عن كل الأيام
ينده خولي الأجريّه
عزت كامل – يسري أبو محمود – عيد المرسي – منصور الشبكي
ينتفض القلب وينشال من مَضَعُه
لو اسم الأُجري
لسّه ما جاش ف لسانه
والخوف اللي بيغلي ف تقفيل الكشوفات
كان أطول من جملين فوق بعض
يومها .. رجعت الدار مغموم.
 المشهد خاص جدًا بعمال الأنفار والترحيلة في مواسم الحصاد، والألفاظ المستخدمة مستقاة من نفس البيئة الخاصة بهم، والصور يستوعبها ببساطة من رأها وعايشها، ولكن .. من منا لم يمر بذات التجربة؟ .. من منا لم يعايش تلك الصورة مشاركَا فيها ومتعايشًا معها؟.
 نفس المشاعر والأحاسيس كلنا شعرنا بها عند إعلان نتائج الإمتحانات المدرسية ، عندما كانت تُعلن عبر مذياع المدرسة عبر كشوفات ورقية في زمنٍ مضى، وعايشناها في صورةٍ أخرى عندما كانت تجري أعيننا لاهثةً قلقة، في كشوفات المقبولين لوظيفةٍ ما، باحثين عن أسامينا.
 نفس مشاعر الخوف والقلق والترقب المضني أوردها الشاعر العبقري في صورةٍ خاصة بفئةٍ معينة، وفق ما تقتضي أقصوصة القصيدة، وعممتها الأحرف الشعرية الوجدانية بإقتدار، ليجد فيها كل قارئٍ نفسه..كأنه هو عبد العال، وما عنيتُ به البعد الرابع في ثنائية فؤاد حجاج، تؤكده متواليات القصيدة التصاعدية في هندسة بنائها ، من أحداث لحظةً تلو لحظة، وليس لحظةً آنية تمر وتنتهي، ولكنها عمرٌ كاملٌ يتحرك ويتصاعد مع كل فقرة أو نسيرة من الأقصوصة الكاملة ، إلى أن تبلغ رحلة العمر محطتها الأخيرة في نهاية القصيدة .
*********
 " غربة وطن " ..قصيدةٌ هىَّ ؟ .. أم ملحمة ؟ .. أم مرثية الأحياء الأموات ؟... المغادر ميتٌ يتنفس غبارًا، ويحدوه أمل أن تلتقط رئتيه نسمة هواءٍ نقي، والعائد ميتٌ لا قبر يواري جثمانه، مجرد رقمٍ في كشفٍ طويل، حوى بين دفتيه ما يربو على الألف اسم، وبين المغادر والعائد رحلة حياةٍ وإغتراب بين غرباتٍ ثلاثة، أولهم كفر العدلية حيث توارى الإغتراب خلف زوجةٍ وإبنٍ وصحبة، عاش أجيرًا أو عامل ترحيلة ، وإغترابٍ ثانٍ في وطنه الأم، ذلك الوطن المغتربة ذاته خلف خلقٍ يرمحون فوق ترابه، ومبانٍ لا تشبه بعضها، وأناسٍ يجهلون اساميهم، بإغترابهم عن أنفسهم، وليت الشاعر توقف عند هاتين الغربتين، بل مضى بجرأةٍ أغبطه عليها إلى تبيان الغربة الثالثة، وهى الأقوى إن لم تكن الأهم، فتمضي السطور تحملنا معها إلى أرضٍ غريبة..عبودية وذل، ورقٌ يرتدي عباءة المال، واسترقاق يندى له جبين من في قلبه مثقال ذرةٍ من حياء.
 عودة إلى الغربتين، لم يغفل الشاعر إضاءة المشهد في صورته قبل الختامية ، لنرى أثر الفقر والعوز، واجتياح المصالح الآنية الضيقة لكل ما هو جميل وأصيل ، فتنكشف عورة الكفر، وتتبدل الطباع وتنهار القيم إلا فيما ندر...ماذا تبقى للوطن كي لا يغترب هو الآخر ؟!!
*******
 غربة وطن ...رحلة شيقة مزج فيها الشاعر الكبير بين المونولوج والديالوج والموال برشاقة ومهارة ، تتعدد الأصوات لكن يبقى عبد العال هو المحرك الرئيس...إذ يقول:
وليلتها ... كنا زي العادة
والساقية الدايرة..
زي الزمن الماشي تلف
وزعيقها الفضحي
واصل ويّا سكون الليل للجرن
واحترت ف صوت الزمن الداير
ويّا الساقية الدايرة
هل بيغني ؟ ..أم بيئن ؟
 مشهدية غاية في البراعة والدقة، استعاض الشاعر بالساقية عن الجاموسة التي تجرها مغمضة العينين، وشبّه دوران الزمن بدوران الجاموسة العمياء، ثم نسّب بسلاسة زعيق الجاموس للزمن الداير، وأعقبه بتساؤل يحمل بين طياته إجابته في مخيّلة القارئ، وقرّ في ذهنه واستقر، ف " محلك سر" يتبعها الأنين حتمًا لا الغناء .
*******
 تتقارب نكهات الشعراء وتتباعد ، ويبقى فؤاد حجاج له نكهته الخاصة ، التي لا تشبهها نكهةٌ أخرى، فهو شاعر ابن بيئته، يعيش فيها، ويعيشها بحلوها ومرها، شاعر لا تعرف النرجسية طريقًا تتسلل منه إلى أبيات قصائده، تتمازج الأحداث مع وجدانه المرهف الرهيف، فيطرحها نبتًا شعريًا جميلًا وأصيلًا في آنٍ واحد، معبرًا عن معاناة الأخرين وغربتهم في وطنهم، يتدثر بلباسهم، رغم أنه يعاني نفس معاناتهم، فما أقساه أن تعيش غريبًا في وطنك، والأقسى أن يتغرب الوطن ذاته!
بداية مشوار الغربة يستهلّه الشاعر قائلًا :
واتحرك م العدليه القطر
كأن القطر الماشي يجر ف ركبه
عايل هم الناس الباصه
الخلق الواقفة ما راضية تعود
كِن عينيه بصتلي وقالت
لما انشالت إيد من إيد
كنّهُ ورغم بإنه حديد
حاسس معنى فراق الناس
 إحساس المسافر برغبة شديدة في إيقاف الراحلة،أو تبطيئها لأقصى درجة ممكنة في وجدانه { معاناة فراق الأحبّة }، حتمًا القطار لن يجر ركبه ، ولكنها البراعة في الصياغة، إذ يبث الشاعر حياةً في الجماد، فيحركه معبرًا عن عبد العال بمشاعره القلقة، والصراع الدائر بين رغبته في عدم الرحيل وضغط الفاقة والعوز الذي اضطره إلى الرحيل .
يقول الشاعرعن أول مشاوير الغربة حينما ترجل من القطار في محطة مصر...
كل دي ناس!!
ده كأن كفور الدنيا جت على مصر
مرشوشة الأرض بناس
والحيطة بتصاوير الناس
والودن بميت من قال
شيّال... شيّال
وكأن عنيك الفرع
وعين الخلق الريح
أتدحرج...
لما أحس بإن عنيّه
كورة الواد...أجري؟
استنى مكاني ؟
ولّا التوهة ف قلب البدر
ديّا عشاني
ولّا.. الزحمة بتخلّي الواحد منا
غصبن عنه غريب !!
 مدخل رائع أعقب تمهيد طويل، استعدادًا وتهيئةً للرحيل، ليتدحرج إلى عالم الغربة الثانية، غريبًا وسط غرباء، يتساكنون متلاصقين، ويمضون مسرعين كأنهم ريحٌ مرسلة، ويختتم مشهدية الوصول بفقرة شعرية شديدة الوجع عميقة الدلالة....
العنوان ف الورقة
عكاز..
أيوه ..عكاز الأعمى ف إيدي .
ومن هذا المدخل أو قبله بقليل، كنت أقرأ غربة وطن وصدى صوت شاعرنا في أذني،  ، إلا أنني أدركت أن صدى الصوت تلاشى رويدًا رويدا، حين وجدتني هناك في كفر العدلية أرى رأي العين عبد العال والصابحة وحسان وعليوة والصحبة كلها، وغيطانه وساقيته الدوارة، وتعاظمت جوارحي واستحالت أجنحةً كأجنحة الملائكة ، تحلق بي بين دوره وحاراته، إذن لم تكن المشهدية المحكمة وحدها ، بل الوجدان الفيض على الأوراق يتدفق من حروفها إلى وجداني، ويملك حواسي كلها، أعيش معهم ، وأتنفس معهم، وأتحرك معهم...أبعاد أربعة هى ما أرمي إليه في هذه الثنائية الرائعة ، فالفن التشكيلي...اللوحة مثلًا أبعاده أثنين وثالثهما مخيلة الرائي، والقصيدة في عمومها ذات بعدين أيضًا، يضاف إليهما مخيلة القارئ كبعدٍ ثالث، وكلاهما لحظة آنية يتوقف الزمن وينتهي عندها، أما في ثنائية غربة وطن فالبعد الأول المسطور حروفًا، والمشهدية كبعدٍ ثان، مخيلة القارئ قطعًا هى البعد الثالث، أما البعد الرابع ألا وهو الزمن فهو ما تحقق حركيًا، ولم يتوقف الزمن للحظة من أول الرحلة التي أبحرت فيها مع مشاهد الثنائية المتتابعة إلى نهايتها، وهو ما سبق ونوهت عنه في فقرة سابقة، وكما قال بنيتو كروتشي رائد علم الجمال " أن القيمة الحقيقية للعمل الأدبي تنبع من داخله، بإعتباره عمل جمالي ينطوي فيه الجزء في معية الكل، يخدمه ولا يمكن بحال فصله عنه"، وهذا ما حققته الثنائية تعضيدًا للنظرية الفلسفية لعلم الجمال، فنسيرته الشعرية...
مسير العدل يوم هيسود
ويصبح فقيرها
بين العباد محسود
ميزانها لو يتعدل تلقى الأمل
خلّى العمل
زي الحياة منشود
 كأني به يقول لا تنتظروا مستقبلًا في وطنٍ غريب، يفتقد العدل، قيدته أغلال الغربة على أرضه وبين ناسه، الكفر مغترب، والمدينة مغتربة، وأهلها الرامحون كالريح المشتتة ، ودورٌ لا تعرف ساكنيها، ليس عبد العال إذن هو المغترب الوحيد، ولا يفوت الشاعر هنا بحسّه الوطني أن يطرح بارقة أمل، ويلقي حبالًا لنجدة قارب أوشك على الغرق، لا يلقيها جزافًا وإنما عن وعي وإدراك، إذ يتبعها قائلًا:
إتأخرت عليكم
آني راجع حالًا م السوق
بعد ما بعت الغنماية
كده وبحق الله مستورة معايا
إنت يا حامد وبإيدك هتروح
للست الصابحة
تديها اللي جمعناه
طبعًا طبعًا ما هو الصاحب إيه
كلمة مرميّة على السكة !!
الصاحب زي ما قالها
للصاحب ضلة وقلة
وهدمة بتستر .
وفي نسيرةٍ أخرى يقول :
شاف الديب الطوق حواليه
خاف واتهز وبان ف عينيه
إنه إزاي من وسط الطوق
يجري بحبة عمره الباقية
ساب النعجة قبل ما فر
شفتوا يا ناس ؟
حاجة تخلّي القلب ف صدر الواحد
ويّا الكُترة إزاي ينسر .
*********
 تتعدد المونولوجات والديالوجات والمواويل ، إدهاش يعقبه إدهاش ثم إدهاش، ولعل من أجمل مواويله الجميلة بين ضفتي الديوان وكلها جميلة ...
ياليل الوحدة والغربة
وأنا ف داري
بتطول ليه وبتطوّل
تعيد قلقي من الأول
ومش دريان
بإني با بُص ع الجدران...
ويشدو في موالٍ آخر.................
آه يا زماني العويل
قليل الزرع والنيّه
نسيت حمامي الهديل
ولّا باقي ف الغيّه
والعمر طار ف الهوا
والعِلة خافها الدوا
أصل اللي صابعه انكوى
حيخاف من الميّه.
وفي موالٍ آخر ينزف أسى...
يجري الغريب .. على غربته ملهوف
لسّه المخبي لم يبان لعينيه
جوّه الليالي.. يلف ياما يشوف
والغربة تنده له...هترجع ليه .
الله الله الله
ونسيرةٌ أخرى من ديالوج أتى نذيرًا بفاجعةٍ في علم الغيب ...
حتى الفرحة لما تجينا
تلاقيها مش صافيه للمشوار
زي اللبن المحلوب الصابح
وبترمي على وشه غبار
ربنا ستار .
 يمضي قطار العمر عابرًا محطاته، وتتبدل الأحوال والنفوس، ويتحكم المال الأعمى في رقاب البشر، عبد الستار لم يعد عبد الستار، يعض اليد التي ضحت بقوتها من أجله، والصابحه استبدلت فراق زوجها وابنها ، بدفء حضن الزوج الحبيب ومتعة النظر إلى فلذة كبدها، وي كأن الشاعر يعود بنا إلى المدخل في أول الديوان، ويؤكد أنه لم يكن مدخلًا ولكنه قصة حياة ورحلة عمر .
في زمنٍ مضى، جرى على لسان الصابحه..
إرمي الحمل شويه
ألا الحبل حيقوّس ضهر القلب
مين عارف يا أبو حسان
كان إيه راح يجرى
لينا سلامتك...فووووق .
تتغير النفوس وتتبدل الأحوال، وعلى نفس اللسان تجري...
ليه بتناهد ويّا الراجل ؟..إقبل
ولّا تنسى وتهمل
إنك تاخد حسان وياك
ما احنا بقالنا سنين وسنين
وآدي سنين العمر بتدبل
كل ما ترجع
باقرا ف وشك قول الدنيا
إقبل..إيه مستني؟..إقبل .
**********
 سبق وتناولت بالعرض المرتكزات الأساسية والثانوية التي ارتكز عليها شاعرنا الكبير في تكوين البنية الشعرية لثنائيته " غربة وطن "، وأرجأت المرتكز الأخير ألا وهو الدفقة الوجدانية الباعثة على التفكر والتأمل والتساؤل والبحث عن أجوبة ، وهي ما سأتناوله الآن.
يقول الشاعر واصفًا عبّارة الموت...
قولي وسع الكفر بحاله
شايله خلايق ياما ألوف
مانا كل ما باتحرك وبأطوف
بأشعر إن العبّارة.. زي الدنيا
وكإن الأيام ممسوخة
بتلف ومتصابة بدوخة
وامبارح ..رامي مخالبه على بكره .
 _ مما لا شك فيه أن المشهد السينمائي أكثر تأثيرًا في المشاهد، باستيلائه على حاستي السمع والبصر، ولكن شاعرنا الفذ وبكلماتٍ قليلةٍ وبسيطة، حوّل المدون حروفًا تُقرأ إلى مشاهد تُرى وتُسمع { في مخيلة القارئ }...أنظروا معي إلى
وسع الكفر بحاله / شايله خلايق ياما ألوف .
 هذا الإتساع وهذا العدد لا يدفع مخيّلة القارئ إلا إلى سفينةٍ ضخمة أو عبّارةٍ ضخمة، ومن ثم تتولد في الذهنية القارئة..بحرًا وسفينة وركاب وعبد العال وابنه بالطبع، ويتحرك المشهد تلقائيًا في عرض البحر والسفينة تمخر عبابه .
باشعر إن العبارة ...زي الدنيا
وكإن الأيام ممسوخة
بتلف ومنصابه بدوخة
 _ يالله...أي نذيرٍ هذا ! .. بل أي براعةٍ تلك..[ زي الدنيا ]..إيحاء صوتي مذهل بدنو الأجل، يعقبه توكيد ضمني أكثر روعة [ وكإن الأيام ممسوخة ]..إحساس الراحل بدنو أجله، وإحتراره لأيام عمره في لحظات ما قبل الموت، ممزوجًا بإحباط وخيبة أمل في أحلامٍ تلاشت.
بتلف ومنصابه بدوخة .
_ من ؟ .. الأيام أم عبد العال أم العبّارة ؟ ..أم ثلاثتهم ؟
 سياق اللغة يستلزم الربط بالأيام في ظاهره، ولكن باطنه يحوي الإحتمالين الأخريين بل الحقيقتين الأخريين ، عبد العال تلف به الدنيا ويشعر بدوخة [ دوار البحر ] ، والعبّارة أصابها عطبٌ كارثي ، فتلف وتدور كالدائخة لا وجهة لها. وهو ما سيتحقق لاحقًا .
وامبارح ..رامي مخالبه على بكره
_ إنزياح وإحالة مذهلين...إمبارح قاتل، والمقتول هو بكره ...لن يأتي الغد إذن !!
 الآن أجزم أنه قد تداعى لمخيلتكم مشاهد السفينة تايتنك، كما تداعى لمخيّلتي، فالراوابط محكمة والتشابه شديد ... سفينة / عبّارة ، بحر / محيط ، ألوف الغرقى / ألوف الغرقي ، الفتى والقتاة / عبد العال وإبنه، وليكتمل المشهد سنتابع عبد العال وحسان، ولنرى إن كان جسّده شاعرنا الكبير، كما جسّده المخرج السيناريست الرائع / جيمس كاميرون، إن لم يكن أقوى .
ما تفكرنيش بالليله الضلمه
وأنا شايف
أكتر من ألف وستين
عايمين..على وش الميّه
والقشّه..حتى القشه..مش لاقيين
 _ الليلة مظلمة وربما بلا إضاءة إلا من بصيص قمر، أتاح لعبد العال أن يراهم يبحثون عن قشّة يتعلقون بها، فعبارة الموت عديمة التجهيز بمعدات الطوارئ، كصاحبها عديم الضمير ممدوح سالم، لا قوارب نجاة، ولا أطواق نجاة !!، يبحثون عن قشة ولا يجدونها، وعبد العال ..ألا يبحث عن قشّة مثلهم؟! ..بالطبع كلا..عبد العال همّه بل كل همّه البحث عن ابنه حسان .
 أي عبقريةٌ تلك التي بواو الجماعة واستثنت فردا دون مكاشفة !!.. وفصله عنهم وهو يجابه خطر الموت مثلما يجابهون، استثنته لما هو أهم من نفسه، وهو قطعًا أهم .
كان اللي مدهولني ومدربكني
إني أشوف الواد حسان
وأنده وبلهفة رجرجة الصوت
حسّان... ولدي يا حسّان
طال بيَّ ندايا.. لما اتهد الحيل.. ولا باقي
غير رعشة بدني م السقعه في الليل
أنا كنت شايفها ضلام ف ضلام
والموت المتفرّعن على وش الميّه حَوام
وانا لسّه بادور على حسّان
وأنده بالمتبقي.. م العزم اللي اتفتت
حسّان... ولدي يا حسّان
 _ الإنسان طاقة محدودة، عندما تنفد فلا مناص من النهاية الحتمية... غرق من غرق في تايتنك لشدة برودة المياه الثلجية، وفي عبّارة الموت تتعدد الأسباب وعلى رأسها إنعدام الضمير، والجشع الرأسمالي المقيت، إذ كيف يُرخص لعبّارةٍ أن تبحر دون معدات نجاة، القاتلون كثر وعلى رأسهم صاحبها الذي فرّ دون عقاب وكثيرون غيره !!!
هذه هى الغربة الحقيقية ... غربة الوطن عندما يغيب العدل .
 يغرق الإبن كما غرق الكثرون، وفي لحظة الإحتضار لا يجد الأب سلوى له إلا صورة حسّان ، فيخرجها من جيبه ، لتكون نظرته الأخيرة إلى الدنيا .
***********
الصورة الشعرية في ثنائية " غربة وطن "
تتوالد الصور الشعرية عند فؤاد حجاج بعفوية مذهلة .
 صور بسيطة {غير مركبة} في ظاهرها ولغتها، سهلة الهضم، وفي باطنها عميقة المعنى والدلالة، فأحلام الفقراء على بساطتها، تبدو لأعينهم كالجبال الشامخة، يصعب تسلقها وبلوغ قمتها، وشاعرنا يغزل صوره بوعيٍ تام، فهو يدرك لمن يكتب ... لا يكتب للنخبة{ رغم إمتلاكه القدرة على ذلك }،وإنما واضعًا نصب عينيه السواد الأعظم من الشعب، فقراء أمته، لذا لن أكون مغاليًا إن لقّبته بشاعر الناس الغلابة .
 شاعرٌ صاحب رسالة، سخر موهبته التي وهبها الله له في المساهمة قدر استطاعته لرقي أمته ، ومجاهدًا بكل طاقته النفسية والبدنية آملًا أن يسود العدل وتنقشع الظلمة .
وأخيرًا .. كان بين يدينا فنًا راقيًا مكتمل الأركان، سليم البنيان، مكتمل النضج، يثري ذهنية المتلقي، ويؤجج مشاعره،  وليس هناك أجمل من أن أختتم دراستي المتواضعة ببعضٍ من صور الثنائية الرائعة...
حسّيت بالقلب ساعتها
طلع له إيدين
بيضم الواد...ويشر حنان
وفي صورة أخرى....................
وكأن الضحكة ساعتها
كانت بتفلفص في البير
وكلام الصابحه كأنه حبال ورجال
بتشد الضحكة قبل ما تفطس .
ولا يفوتني أن أنوه على دقة المعجم الريفي المستخدم، وقوة دلالاته في مواضعها التي حفلت بها الثنائية الرائعة لمبدع أكثر روعة ....أستاذي / فؤاد حجاج ....شاعر الناس الغلابة .
........................................................... خاص تحياتي / محمد البنا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق