أكلة لحوم البشر.
1
بالرغم من اتساع مساحة المقهى و شهرته إلا أنه أمسى شبه خاوياً. لا يوجد به سوى أربعة رجال فقط. ثلاثة شباب و رجل عجوز أشيب، أسمر، لكن فى عينيه بريق غامض. خبراته الطويلة فى معترك الحياة واضحة من خلال التجاعيد الكثيرة على وجهه.
أطفأ النادل معظم الأضواء، لم يبق إلا مصباحين اثنين فقط. بدا المقهى كأنه كهف مهجور فى بطن الجبل فى غياهب الصحراء. عقارب الساعة تشير إلى الثامنة مساءً. لقد بدأ حظر التجول منذ ساعتين.
الناس لا تلتزم بالحظر إلا فى أضيق الحدود. المحلات التجارية أغلقت أبوابها. كل المواصلات توقفت. لكن الشوارع ممتلئة بالشباب الصغير. معهم حق. لقد تم الهجوم على بعض السجون و هرب الآلاف من البلطجية و المجرمين و القتلة. كما أن الشائعات ترددت بأنهم يقومون بتهريب السلاح فى عربات الإسعاف. شكّل الناس لجاناً شعبية لمكافحة البلطجة و حماية أنفسهم و بيوتهم و ذويهم. يقفون فى نواصى الشوارع بالعصى و يفتشون كل سيارة تمر. يفتشون كل إنسان غريب عن المنطقة. الناس لا تلتزم بالحظر إلا فى أن كل واحد لا يخرج من منطقته. الجيران يعرفون بعضهم جيداً، من حيث الشكل على الأقل.
جلس النقيب "عماد عبد الله" يرتشف القهوة فى صمت، يرقب الرجال الأربعة الجالسين فى المقهى بقلق. حاول الاتصال بالعميد "وليد البهنساوى" على التليفون المحمول للمرة الألف. التليفون يرن و لا أحد يرد. حاول الاتصال بمنزله للمرة الألف، دون جدوى.
آخر لقاء مع العميد "وليد البهنساوى"، كان منذ خمسة أيام تقريباً. كانا فى ميدان التحرير، داخل عربة مصفحة واحدة، يتصديان للثوار بخراطيم المياه و العصى و الصاعقات الكهربائية و القنابل المسيلة للدموع. كل الوسائل فشلت. الثوار لا ينصرفون. فى النهاية أتى الأمر بإطلاق النيران. أصدر العميد "وليد" الأمر له بإطلاق النيران. وقف النقيب "عماد" متردداً. إنهم ثوار، ليسوا إرهابيين أو مجرمين، كيف نطلق النيران على هذه الملايين الغفيرة؟ هذا دمار!
لمح فى عينىّ العميد "وليد" نظرات صارمة لائمة. من شدة النظرة أدرك أنه سيفقد عمله عما قريب، أو على الأقل سيُحول إلى التحقيق. ستكون هذه نقطة سوداء فى ملفه و هو فى بداية حياته. بعد أن لاحظ العميد "وليد" تردده خطف منه السلاح، وضع خزينة الطلقات و راح يطلق النيران فى جنون. بعد بضعة لحظات، قبل أن تفرغ الخزينة، تراخت يداه، أنزل السلاح، احمرت عيناه و جحظت فى هلع، تقلصت كل عضلات وجهه، ارتجف كل كيانه. ثم ألقى بالسلاح و راح يجرى بين الثوار.
وجد نفسه بلا قائد، يجلس وحيداً فوق العربة المصفحة. الثوار حوله بالملايين. أشعلوا النيران فى العربة فقفز يجرى هو أيضاً.
لم يستطع الخروج من الميدان إلا بعد مشقة بالغة. راح يجرى فى الشوارع لا يعرف إلى أين؟ و ما الواجب الذى عليه القيام به الآن؟
شعر بيد تتخطفه من الخلف. ارتجف قلبه فى عنف. الثوار لن يرحموا أبداً أى ضابط شرطة يقع تحت أيديهم، خاصة إذا كان يرتدى زى الأمن المركزى. وجد نفسه داخل مدخل إحدى العمارات القديمة، حوله بعض الشباب الثائر يرتجف و ينتفض بينما العرق يتساقط منهم أنهاراً. بالرغم من الإرهاق الواضح عليهم إلا أن فى عيونهم بريق العناد و التحدى. بالرغم من ملابسهم الممزقة إلا أنه من الواضح أنهم أولاد ناس محترمين، بشرتهم ناعمة، ملابسهم حديثة، أى أنهم لا يعانون من شظف العيش. ربت أحدهم على كتفه – يبدو أنه قائدهم- ثم قال فى لهفة:
ـ يجب أن تخلع هذه البدلة فوراً.
نظر إليه فى دهشة. لن ينسى أبداً ملامح هذا الشاب الأسمر، دقيق الملامح، أسود العينين، مجعد الشعر، مفعم بالقوة و النشاط و الحماس. عاجله الشاب و هو يقدم له ملابس أخرى:
ـ بدّل ثيابك فوراً. هذه البدلة خطر على حياتك.
بدّل ثيابه بسرعة و هو يجول بالنظر فيمن حوله. إذا كانوا من الثوار، فلماذا يحمونه؟ التفت إلى الشاب الأسمر و سأله:
ـ هل أنت راض عما يحدث؟
ـ هذه هى النتيجة المنطقية.
ـ لماذا تحموننى إذن؟
أجاب الشاب الأسمر و هو يبتسم لأول مرة:
ـ نحن لا نحاربك أنت. نحن نحارب الفساد و الظلم. مصر ليست عزبة تُورث، و لا نريد تخريب بلادنا.
قام الشاب الأسمر بوضع البدلة الرسمية فى حقيبة بلاستيكية، ثم أمره بالعودة إلى وحدته.
اتجه إلى وحدته. كانت لحظة الفجر. رفع عينيه إلى السماء يطلب النجدة من ربه. كانت السماء صافية رغم أننا فى شهر يناير. عادةً، تكون السماء ملبدة بالغيوم فى هذا الوقت من السنة. رغم الموقف المؤلم، رغم الانكسار، لا يعرف لماذا بدت عينىّ جارته "نهال" فى السماء. ربما لأنها كانت تسخر منه قائلة: رأيتك من الشباك و أنت تختال بالبدلة الرسمية مثل الطاووس. ترى، لو رأته الآن خائفاً حائراً، ماذا ستقول له؟
لأن كل وسائل المواصلات تعطلت، وصل إلى وحدته سيراً على الأقدام فى الحادية عشرة صباحاً. رأى الوحدة خاوية على عروشها. اتصل بالعميد "وليد" على التليفون المحمول و فى منزله ليعلم الأوامر الجديدة. لكن التليفون يرن دون جدوى. ماذا يفعل؟ هل يعود إلى بلدته "الإسكندرية" أم يذهب للإقامة فى أحد الفنادق إلى أن تمر الأزمة و تأتى الأوامر الجديدة؟ لا يستطيع البقاء فى الوحدة و هى بهذا الشكل. لقد تحوّلت إلى مكان موحش مخيف. لكن إذا ذهب للإقامة فى أحد الفنادق سيعلمون من البطاقة الشخصية أنه ضابط شرطة. هل سيتسامحون معه مثل هذا الشاب الأسمر أم سينتقمون منه؟ فى هذه اللحظة أدرك معنى كلمة "بيت" أدرك معنى كلمة "أم".
فى الأيام الأخيرة، كانت والدته تتصل به من الإسكندرية كل ساعة أو ساعتين، ترجوه أن يعود إليها. لكن كيف يترك موقعه فى هذا الموقف الخطير؟ أخبر والدته باختفاء العميد "وليد البهنساوى" فثارت فى غضب و قلق. إذا كان العميد "البهنساوى" نفسه هرب، ماذا تنتظر أنت؟
وجد نفسه بلا قائد فعاد إلى الإسكندرية. عاد هارباً يرتدى الملابس العادية. كان من قبل لا يسافر إلا بالبدلة الرسمية.
عاد من ذكرياته الأليمة على صوت ضجيج بالمقهى. دخل شاب صغير ينتفض فى غضب و هو يقول ثائراً:
ـ هل سمعتم حديث النجمة الشهيرة التى ترفض تمثيل القبلة أمام الكاميرا حفاظاً على الآداب العامة؟ إنها تتهم المصريين بالجحود و نكران الجميل نحو "مبارك".
رد شاب آخر، كان يجلس فى المقهى منذ فترة يتابع الأخبار فى التليفزيون:
ـ و الآن مُمثل محبوب يدعى أن الثوار يقومون بحفل سكر و عربدة فى الميدان.
قال الرجل العجوز فى هدوء:
ـ شاهدت فى التلفزيون مستشفى ميدانى داخل الكنيسة، شاهدت المسلمين يحمون الكنيسة أثناء القداس، و شاهدت المسيحيين يعاونون المسلمين على الوضوء. الثورة ستنجح يا أولاد. فى هذه الحالة يجب سحب الجنسية المصرية من هؤلاء الأفاقين.
1
بالرغم من اتساع مساحة المقهى و شهرته إلا أنه أمسى شبه خاوياً. لا يوجد به سوى أربعة رجال فقط. ثلاثة شباب و رجل عجوز أشيب، أسمر، لكن فى عينيه بريق غامض. خبراته الطويلة فى معترك الحياة واضحة من خلال التجاعيد الكثيرة على وجهه.
أطفأ النادل معظم الأضواء، لم يبق إلا مصباحين اثنين فقط. بدا المقهى كأنه كهف مهجور فى بطن الجبل فى غياهب الصحراء. عقارب الساعة تشير إلى الثامنة مساءً. لقد بدأ حظر التجول منذ ساعتين.
الناس لا تلتزم بالحظر إلا فى أضيق الحدود. المحلات التجارية أغلقت أبوابها. كل المواصلات توقفت. لكن الشوارع ممتلئة بالشباب الصغير. معهم حق. لقد تم الهجوم على بعض السجون و هرب الآلاف من البلطجية و المجرمين و القتلة. كما أن الشائعات ترددت بأنهم يقومون بتهريب السلاح فى عربات الإسعاف. شكّل الناس لجاناً شعبية لمكافحة البلطجة و حماية أنفسهم و بيوتهم و ذويهم. يقفون فى نواصى الشوارع بالعصى و يفتشون كل سيارة تمر. يفتشون كل إنسان غريب عن المنطقة. الناس لا تلتزم بالحظر إلا فى أن كل واحد لا يخرج من منطقته. الجيران يعرفون بعضهم جيداً، من حيث الشكل على الأقل.
جلس النقيب "عماد عبد الله" يرتشف القهوة فى صمت، يرقب الرجال الأربعة الجالسين فى المقهى بقلق. حاول الاتصال بالعميد "وليد البهنساوى" على التليفون المحمول للمرة الألف. التليفون يرن و لا أحد يرد. حاول الاتصال بمنزله للمرة الألف، دون جدوى.
آخر لقاء مع العميد "وليد البهنساوى"، كان منذ خمسة أيام تقريباً. كانا فى ميدان التحرير، داخل عربة مصفحة واحدة، يتصديان للثوار بخراطيم المياه و العصى و الصاعقات الكهربائية و القنابل المسيلة للدموع. كل الوسائل فشلت. الثوار لا ينصرفون. فى النهاية أتى الأمر بإطلاق النيران. أصدر العميد "وليد" الأمر له بإطلاق النيران. وقف النقيب "عماد" متردداً. إنهم ثوار، ليسوا إرهابيين أو مجرمين، كيف نطلق النيران على هذه الملايين الغفيرة؟ هذا دمار!
لمح فى عينىّ العميد "وليد" نظرات صارمة لائمة. من شدة النظرة أدرك أنه سيفقد عمله عما قريب، أو على الأقل سيُحول إلى التحقيق. ستكون هذه نقطة سوداء فى ملفه و هو فى بداية حياته. بعد أن لاحظ العميد "وليد" تردده خطف منه السلاح، وضع خزينة الطلقات و راح يطلق النيران فى جنون. بعد بضعة لحظات، قبل أن تفرغ الخزينة، تراخت يداه، أنزل السلاح، احمرت عيناه و جحظت فى هلع، تقلصت كل عضلات وجهه، ارتجف كل كيانه. ثم ألقى بالسلاح و راح يجرى بين الثوار.
وجد نفسه بلا قائد، يجلس وحيداً فوق العربة المصفحة. الثوار حوله بالملايين. أشعلوا النيران فى العربة فقفز يجرى هو أيضاً.
لم يستطع الخروج من الميدان إلا بعد مشقة بالغة. راح يجرى فى الشوارع لا يعرف إلى أين؟ و ما الواجب الذى عليه القيام به الآن؟
شعر بيد تتخطفه من الخلف. ارتجف قلبه فى عنف. الثوار لن يرحموا أبداً أى ضابط شرطة يقع تحت أيديهم، خاصة إذا كان يرتدى زى الأمن المركزى. وجد نفسه داخل مدخل إحدى العمارات القديمة، حوله بعض الشباب الثائر يرتجف و ينتفض بينما العرق يتساقط منهم أنهاراً. بالرغم من الإرهاق الواضح عليهم إلا أن فى عيونهم بريق العناد و التحدى. بالرغم من ملابسهم الممزقة إلا أنه من الواضح أنهم أولاد ناس محترمين، بشرتهم ناعمة، ملابسهم حديثة، أى أنهم لا يعانون من شظف العيش. ربت أحدهم على كتفه – يبدو أنه قائدهم- ثم قال فى لهفة:
ـ يجب أن تخلع هذه البدلة فوراً.
نظر إليه فى دهشة. لن ينسى أبداً ملامح هذا الشاب الأسمر، دقيق الملامح، أسود العينين، مجعد الشعر، مفعم بالقوة و النشاط و الحماس. عاجله الشاب و هو يقدم له ملابس أخرى:
ـ بدّل ثيابك فوراً. هذه البدلة خطر على حياتك.
بدّل ثيابه بسرعة و هو يجول بالنظر فيمن حوله. إذا كانوا من الثوار، فلماذا يحمونه؟ التفت إلى الشاب الأسمر و سأله:
ـ هل أنت راض عما يحدث؟
ـ هذه هى النتيجة المنطقية.
ـ لماذا تحموننى إذن؟
أجاب الشاب الأسمر و هو يبتسم لأول مرة:
ـ نحن لا نحاربك أنت. نحن نحارب الفساد و الظلم. مصر ليست عزبة تُورث، و لا نريد تخريب بلادنا.
قام الشاب الأسمر بوضع البدلة الرسمية فى حقيبة بلاستيكية، ثم أمره بالعودة إلى وحدته.
اتجه إلى وحدته. كانت لحظة الفجر. رفع عينيه إلى السماء يطلب النجدة من ربه. كانت السماء صافية رغم أننا فى شهر يناير. عادةً، تكون السماء ملبدة بالغيوم فى هذا الوقت من السنة. رغم الموقف المؤلم، رغم الانكسار، لا يعرف لماذا بدت عينىّ جارته "نهال" فى السماء. ربما لأنها كانت تسخر منه قائلة: رأيتك من الشباك و أنت تختال بالبدلة الرسمية مثل الطاووس. ترى، لو رأته الآن خائفاً حائراً، ماذا ستقول له؟
لأن كل وسائل المواصلات تعطلت، وصل إلى وحدته سيراً على الأقدام فى الحادية عشرة صباحاً. رأى الوحدة خاوية على عروشها. اتصل بالعميد "وليد" على التليفون المحمول و فى منزله ليعلم الأوامر الجديدة. لكن التليفون يرن دون جدوى. ماذا يفعل؟ هل يعود إلى بلدته "الإسكندرية" أم يذهب للإقامة فى أحد الفنادق إلى أن تمر الأزمة و تأتى الأوامر الجديدة؟ لا يستطيع البقاء فى الوحدة و هى بهذا الشكل. لقد تحوّلت إلى مكان موحش مخيف. لكن إذا ذهب للإقامة فى أحد الفنادق سيعلمون من البطاقة الشخصية أنه ضابط شرطة. هل سيتسامحون معه مثل هذا الشاب الأسمر أم سينتقمون منه؟ فى هذه اللحظة أدرك معنى كلمة "بيت" أدرك معنى كلمة "أم".
فى الأيام الأخيرة، كانت والدته تتصل به من الإسكندرية كل ساعة أو ساعتين، ترجوه أن يعود إليها. لكن كيف يترك موقعه فى هذا الموقف الخطير؟ أخبر والدته باختفاء العميد "وليد البهنساوى" فثارت فى غضب و قلق. إذا كان العميد "البهنساوى" نفسه هرب، ماذا تنتظر أنت؟
وجد نفسه بلا قائد فعاد إلى الإسكندرية. عاد هارباً يرتدى الملابس العادية. كان من قبل لا يسافر إلا بالبدلة الرسمية.
عاد من ذكرياته الأليمة على صوت ضجيج بالمقهى. دخل شاب صغير ينتفض فى غضب و هو يقول ثائراً:
ـ هل سمعتم حديث النجمة الشهيرة التى ترفض تمثيل القبلة أمام الكاميرا حفاظاً على الآداب العامة؟ إنها تتهم المصريين بالجحود و نكران الجميل نحو "مبارك".
رد شاب آخر، كان يجلس فى المقهى منذ فترة يتابع الأخبار فى التليفزيون:
ـ و الآن مُمثل محبوب يدعى أن الثوار يقومون بحفل سكر و عربدة فى الميدان.
قال الرجل العجوز فى هدوء:
ـ شاهدت فى التلفزيون مستشفى ميدانى داخل الكنيسة، شاهدت المسلمين يحمون الكنيسة أثناء القداس، و شاهدت المسيحيين يعاونون المسلمين على الوضوء. الثورة ستنجح يا أولاد. فى هذه الحالة يجب سحب الجنسية المصرية من هؤلاء الأفاقين.
* الخميس القادم، إن شاء الله، الفصل الثانى.
حسام أبو سعدة.
hossamaboseda@gmail.com
حسام أبو سعدة.
hossamaboseda@gmail.com

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق