السبت، 16 سبتمبر 2017

(((( صحفية البولمان )))) بقلم شاعر القرية فيصل بدر

(((( صحفية البولمان ))))
*********************
نشأ الملك ( فــ * بــ ) كما يُطلِقون عليه بين دروب هذه القرية
الهادئة بشوارعها التى تحمل ذكرى كل يوم من أيام عمره وكأنها 
حكايات السندباد البحرى . وشاءت الأقدار أن يجد نفسه
فى شبه جزيزة الأيتام. فلم ينعم بعطف الأب ولم يشبع فمه من ثدى أمه
ولم تشبع عيناه من حنانها . فقد إفترقا بعد إعلان الطلاق ولم تمضِ شهور
لا تتعدى أصابع اليدين حتى تزوجا كل منهما خارج نطاق القرية
. فقد أغلق الله نافذة العطف والحنان من قبل الأب والأم
ولكنه فتح باب الرحمة بعطف وحنان ومحبة من قبل جدته من الأم
فقد احتوته وكدست الباقى من عمرها لسعادته وأغمرته بحنان قلبها
وأشبعت أذنيه بقصصها وحكاياتها حتى كاد أن يُصبح أديبا فى طفولته ولذا
أطلقوا عليه ( شاعر القرية ) فلم يكن من فراغ هذا اللقب ومضت سنوات
الطفولة كما أرادت .اقترب موعد ذهابه الى مصنع الرجال كما يُسمونه
ولم تكن الحالة الاقتصادية على مايرام كما تخيلها العديد من أقرانه إلا
أن البساطة دائما كانت عنوان حياته وكانت تزيده جمالا ويزينُـها
فأقل الملابس كانت تبدو عليه أرقى وأجمل من صاحبها الحقيقى وكأن 
أحدا لم يرتديها من قبل وأسرعت عجلة الزمن فى الدوران حتى أنه أوشك
على نهاية خدمته العسكرية فلم يتبق له سوى إجازتين ها هى لحظات 
الفراق ما أصعبها وقلب جدته وتزداد دقاته خوفا على ولدها التى لم تلده
وكعادتى فى الأسفار الطويلة أعشق الجلوس بجوار نافذة القطار كى أُمتع
نظرى بجمال الطبيعة وألوانها الخلابة وعندما بدأت إشارة التحرك للقطار
لمحت بطرف عينى جنديا يهرول بأقصى سرعته ليصل الى باب القطار
فأسرعت ومددتُ له يدى فأمسكها وصعد وكاد أن يسقط تحت عجلات القطار
لولا أن احتضنته بقوة ليبعد عن الباب وأماء برأسه مع انحناءة خجل من 
الموقف ولم تكن هناك مقاعد شاغرة سوى المقعد المقابل لمقعدى
فاستأذن وجلس فى مواجهتى ودققت النظر فى وجهه فلم أجد سوى
سنوات تسطر مخالبها على جبينه. وظلت رنات هاتفه لمدة دقائق حتى 
نبهته الى رنات الهاتف وكأنه كان فى رحلة ذهنية لأعماق البحر فلم يرَ
ولم يسمع وأظهر ابتسامة خجل وهو يرد على المكالمة ولكنى سمعت
كلماته التى جعلت دموعى كهرم يسكن قلبى قبل عينى الحمد لله يا أمى 
ركبتُ القطار فى آخر لحظة أبدا يا أمى مساعدة الله كانت بجوارى كالعادة
فقد كان فى انتظارى من يخافون الله ويحبون الوطن والله يا أمى لولا يدها
وضمنتى إليها لسقطتُ تحت عجلات القطار حاضر يا أمى عندما أصل
سأشترى كارت بعشرة جنيهات وأُخبركِ بما حدث لا تقلقى يا أمى وليطمئن 
قلبك . معى عشرين جنيها غير الخمسين أبدا يا أمى سيكفوننى ويفيض منهم
ان شاء الله وبعد عشرة أيام سوف أقبض راتبى يا أمى ولو أمر الله وأخذت
مكافأة سأشترى لكِ هدية يا أمى لاتبكى يا أمى فأنا فى أشد الحاجة الى دعائك
حاضر يا أمى لا تقلقى ان شاء الله القطار سيصل بعد خمسة ساعات حاضر
يا أمى الحمد لله . محمد رسول الله. فى رعاية الله يا أمى وانتهت المكالمة
وأحسست بأنه ارتوى بعد ظمئ مرير ووضع الهاتف فى حقيبته وأخرج منها
سندوتشا بخبز من الأرياف وبدأ يعزم بإصرار على الجالسين بجواره
والمقابلين لمقعده ويقسم أن لديه سندوتشا آخر ولكن الجميع رفضوا 
باابتسامة وحنان ونويت أن أقتسم معه السندوتش لولا حضور الكمسرى 
وطلب منه التذكرة فأخبره بأن الوقت كان أضيق من أن يحجز تذكرة فأصر
الكمسرى على دفع خرامة أربعون جنيها وإلا سيسلمة لشرطة السكة الحديد
ولم يجد مفر سوى أنه أخرج الخمسين جنيها ودفع الغرامة وبعد مرور
فترة زمنية لا تتجاوز نصف الساعة حضر رجل أنيق محشو فى بدلته 
ولفافة عنقه الحمراء وطلب منه أن يترك الكرسى فقال يا سيدى لم أجد
مكانا غير هذا لأجلس فيه وعندما أصل سأقف خدمة لمدة 12 ساعه
متواصله فقال الرجل هذا ليس شأنى لقد حجزت الكرسى ولم أتركه لأحد
فوقف الجندى بزيه المحترم ولولا خجلى من أن يُقال صحفية وقفتْ ليجلس
شاب وسيم الشكل لكنت فعلتها. وقف الجندى وكأنه يترنح من سرعة القطار
وحركته على الفلنكات ومضى الوقت واقتربت الرحلة على نهايتها 
وعندما تهيأنا للنزول إقتربت منه وسألته عن إسمه وبلدته فأخبرنى
بأنه ( فـ * بـ ) ويطلقون عليه شاعر القرية من أرياف الدقهلية
وحاولت مرات عديدة أن أعطيه كارت محمول بعشرين جنيها ليُطمئن والدته 
حيث أننى لا أحتاجه ولكنه رفض بعزة نفس متناهية. وافترقنا وذهب ليركب
مواصلة أخرى وذهبت الى مسكنى واغتسلت من عناء السفروتركت جسمى
على الفراش فقد غلبنى النوم حتى استيقظت فى تمام الثانية من صباح اليوم
التالى فصنعت قدحا من القهوة مع فطيرة بالعسل والقشدة
وأردت أن أتنقل بين قنوات التلفاز واستوقفتنى حادثة مرعبة فقد هجم
الارهابيون على كمين فى شمال سيناء راح ضحيته عشرات الجنود الذين
أوشكوا على نهاية خدمتهم فأسرعت الى الكمبيوتر لأستفسر عن أسماء
الشهداء وعندما قرأت إسمه إشتعلت النار فى قلبى وسالت الدموع من 
عينى كالفيضان
هاهو الذى خجل واحمر وجهه عندما احتضنته حتى لايقع
تحت عجلات القطار
هاهو الذى أجبره الكمسرى على دفع الغرامة
هاهو الذى أجبره الأفندى على ترك الكرسى والوقوف لمدة خمس ساعات
هاهو الذى كان يريد أن يشاركه الجميع فى سندوتشه الريفى
هاهو الذى رفض أن يأخذ كارت محمول ليطمئن أمه بوصوله الى معسكره
وهناك آلاف من الشباب يتسكعون فى الشوارع ليل نهار
وأكثر منهم يجلسون على المقاهى حتى بزوغ الفجر
ويعودون الى منازلهم سكارى
ليستمتعوا بأجود أنواع الطعام ما لذ منها وما طاب
ليستمتعوا بأحضان النساء 
هاهو الذى هيأ نفسه لنهاية خدمته ولم يدرك أنها نهاية العمر
ولم يعلم أنه سيعود الى أمه محمولا على الاعناق فى صندوق
خشبى يُـغلفه علم ببلاده
حاملا فى حقيبته شهادة وفاته بلا من شهادة نهاية خدمته
ملعون أيها القطار
ففيك تجمعنا وتعارفنا
وفيك كتبنا تاريخ الفراق

شاعر القرية
فيصل بدر
Image may contain: one or more people and people sitting

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق