القصة رقم 13 من مجموعتي " من قصص الحكيم "
بـائعة الزبدة
في قديم الزمان وسالف العصر والمكان، كانت عائلة فقيرة تعيش في أعالي الجبال، بين المروج و الوديان، لكنها لا تمتهن من مهن الحياة إلا ما جادت عليهم الطبيعة من صوف وحليب ولبن و أجبان. كان الزوجان يمتلكان بعض الماعز و الأغنام، و يغرسون مما يأكلونه من خضر و بعض البقوليات التي يزرعونها بشق الأنفس بعد أن ينتهوا من حرث الأرض و قلب تربتها كي تجود عليهما خيرا.
كان رب البيت لا يبيع إلا ما جادت به عليه الطبيعة من رزق الله ليسد به حاجته من منتجات لا يمتلك وسائل تصنيعها . لكن زوجته كانت عندما تمخض الحليب لتسوي منه لبنا طريا تستخرج منه زبدة طازجة وفيرة، فتكورها كرات كرات دون وزن لأنها لا تملك ميزانا. و كلما توفرت لديها كمية كبيرة، يأخذها زوجها للمدينة كي يقايضها بسكر وقهوة وبعض المواد الغذائية. كانت هذه الكرات تباع لصاحب دكان بالمدينة التي تقع على مقربة القرية في أسفل الجبل. في يوم من الأيام و بينما كان صاحب الدكان يفرغ السلة الكبيرة الممتلئة بكرات الزبدة التي باعها إياه القروي، شك في وزنها، فوزن إحداها مباشرة فلم يجد فيها إلا تسع مائة غرام بدل الكيلوغرام للواحدة المتفق عليه. تعجب الرجل و اغتاظ من القروي الذي لم يوف بوعده و غشه في الميزان، و صبر إلى أن يأتي القروي كالعادة ليسلمه المنتج الجديد.
وفي اليوم الموالي قدم الرجل كعادته يحمل تلك الكرات، فما كان من التاجر إلا أن صاح في وجهه : ويحك يا رجل، كيف تخدعني يا غشاش ؟ تبيعني كرات الزبدة على أن وزنها كيلوغراما لكل واحدة .. وما هي إلا تسع مائة غرام ؟ ألا تخاف الله في ميزانك ؟ .. أنت خسيس و ماكر، فما الذي أقول لزبائني إذا انتبهوا إلى الذنب الذي اقترفته؟
تعجب القروي لما قاله صاحب الدكان، لكنه كان صابرا و حكيما، فأجابه بكل راحة واطمئنان : يا سيدي كما تعلم أننا لا نملك ميزانا؛ لكننا أخذنا عينة من كيلك من السكر التي بعتنا إياها في الوهلة الأولى، وكالتها بالزبدة . والله لم أكن أعلم أنها ناقصة. أما وأنها ناقصة فالنقص منك و رجع إليك !
إنما الأعمال بالنيات، و إنما لكل امرئ ما نوى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق