الخميس، 20 أكتوبر 2016

زهرة الصحراء 2. بقلم الكاتب حسام أبو سعدة.



زهرة الصحراء 2.
جلس فى شرفة الفندق الوحيد فى الواحة يتناول إفطاره مستمتعاً بهدوء الصحراء. أمام الفندق أرض واسعة مزروعة بنخيل البلح، هذا النخيل ينتشر هنا فى كل مكان و بجميع أنواعه. غذائهم الأساسى منه و بعض أنواع الجبن الرخيصة بدائية الصنع. لا يوجد سوى طريق أسفلتى واحد فقط و الباقى عبارة عن ممرات ترابية. حول الفندق تتناثر بعض البيوت البدائية المبنية من الطين الجاف، فى الجهة الغربية من الفندق توجد مايطلقون عليها "سيوة القديمة"، مجرد جبل مرتفع تتناثر عليه الجحور فى كل مكان. يقولون أنها بيوت أجدادهم. البيوت تتصل ببعضها البعض من خلال ممرات غاية فى الضيق. سار بها يتعثر و يتخبط فى الجدران و الصخور متعجباً كيف كانوا يعيشون هنا..
بالأمس زار أنقاض معبد قديم. المعبد ليس سوى بضعة أحجار متناثرة منقوشة عليها بضعة حروف إغريقية و هيروغليفية. يعلم من خلال ما قرأه أنهم توجوا "الإسكندر الأكبر" إلاهاً و ملكاً على مصر فى هذا المعبد. تذكر ما قرأه عن عبقرية هذا البطل المغوار الذى أراد أن يحكم الدنيا بأسرها فخرج من بلاده يحارب و يقاتل. لم ينهزم قط فى حياته و لم يعد إلى بلاده... ضحك "محمد" من أعماقه على أنقاض المعبد عندما تذكر ماقرأه عن "تاييس" عشيقة "إسكندر". كانت ترتمى فى أحضانه عندما اكتشفت وجود ثقب فى الخيمة فأشارت إليه بإصبع قدمها. قال إسكندر مازحاً: هذا الثقب أستطيع أن أرتقه لكنى لن أستطيع أن أطفئ الشمس. ابتعدت عنه و هجرته، لم تعد إليه إلا بعد أن وعدها بأنه سيطفئ الشمس من أجلها عندما يعود إلى أثينا. 
بعد الإفطار طلب القهوة، فجاء "حسين" البدوى، إنه العامل الوحيد هنا. أسمر البشرة تجاعيد الجبال تبدو فى وجهه رغم أنه لم يتجاوز الأربعين، متوسط الطول يرتدى جلباباً أبيض شاحب، رغم خشونة مظهره ، و رغم دهائه و مكره إلا أنه يبدو إنساناً مسالماً وديعاً، صافى الذهن، نقى القلب. صب "حسين" القهوة و هو يسأله فى تشكك:
ـــ الناس لا يأتون هنا إلا فى مجموعات ما الذى أتى بك وحدك؟ 
أجاب "محمد" فى آسى:
ـــ ليس لى أصدقاء.
قال "حسين" و هو يرميه بنظرات ثاقبة:
ـــ مستحيل، الإنسان لا يستطيع الحياة وحيداً.
إبتسم "محمد" يتأمل النخيل: 
ـــ أعرف أناس كثيرون لكنهم ليسوا أصدقاء.. أقربهم إلى هو "هانى". هل تعلم ماذا فعل معى؟ 
جلس "حسين" و هو يسأل: 
ـــ ماذا؟
راح "محمد" يشرح له ماحدث: منذ ستة سنوات تقريباً أرادت وزارة الثقافة إقامة حفلاً موسيقياً فى الإسكندرية و طُلب منى المشاركة رسمياً فى هذا الحفل، بالرغم من أننى من مواليد الإسكندرية إلا أننى لا أرغب فى العودة إليها و لا حتى زيارة قصيرة لمدة يومين. القاهريون يطلقون عليها مدينة الأشباح لهدوء شوارعها أثناء الليل. لو كان القاهريون على حق فإن القاهرة مدينة الشياطين.
لم يفهم "حسين" شيئاً لكنه ابتسم مجاملة و أكمل "محمد": 
ـــ اعتذرت عن الحفل و صديقى "هانى" يعلم جيداً سبب اعتذارى، إلا أنه وشى بى إلى الوزير زاعماً له أننى اعتذرت لإحراجه فى المحافل الدولية.
ـــ لماذا فعل ذلك؟... و لماذا صدقه الوزير؟
ـــ لا أعرف لماذا؟ لكن هذا ما حدث و كانت النتيجة أننى مُنعت من دخول الأوبرا لمدة عامين إلى أن تبدل سيادة الوزير.
ـــ هذا ليس صديقاً!..
ارتشف "محمد" القهوة ثم قال:
ـــ بالرغم من ذلك مازالنا صديقين نتقابل يومياً، هل تعرف لماذا؟
ـــ لماذا؟
ـــ لأن هذا الرجل له ميزة جميلة، خفة ظله، عندما أكون معه أضحك من أعماق قلبى حتى أشعر بالألم فى معدتى و تصدع رأسى ثم أننى لن أستطيع الحياة بمفردى. كلهم كذلك.
انتفض "حسين" فوق مقعده:
ـــ ليس كل الناس مثل صاحبك، أنت الذى أسأت الاختيار و مازلت مصراً على مصاحبته.
رُفع أذان الظهر، شعر"محمد" بالكآبة تحوم فى صدره مثل طائر جارح ينهش قلبه فهب واقفاً و هو يقول: 
ـــ ما رأيك ياصديقى فى أن نصلى سوياً فى المسجد.
سار "محمد" بجوار صديقه البدوى إلى المسجد طالباً رحمة الله مستعيذاً من الشيطان الذى يوسوس دائماً و أبداً فى قلبه المكلوم، عندما دخل المسجد أخذته الرهبة رغم بساطة الزخارف البدوية، ما أجمل أن يعيش الإنسان فى هدوء و أمان تحت رعاية الله الرحمن الرحيم. ما أروع الرضا و التسليم بالقدر. لقد ضاع العمر هباءً فى صراعات مريرة عنيفة فأصبح على مشارف الموت دون أن يشعر بالهدوء و لو للحظة واحدة.. فى أثناء الصلاة كابد كثيراً محاولاً كبح جماح دموعه التى تريد أن تنهمر. أضاع دنيته دون الاستمتاع بها و أضاع آخرته، فلن يرحمه الله أبداً...
صلى صلاة العصر أيضاً فى المسجد مع صديقه "حسين"، بعد الصلاة اتجه إلى جزيرة "فطناس" التى سمع عنها. سار بالسيارة إلى أن وصل إلى منطقة وعرة. صخور صلدة تنغرس فى المياه الجوفية الضحلة، ترك السيارة و قفز فوق الأحجار إلى أن وصل بعد بضعة أمتار إلى تبة مرتفعة محاطة بالمياه الجوفية الصافية الدافئة من كل جانب. الأرض طينية، الأشجار كثيفة كأنه فى غابة استوائية و ليست صحراء. الأشجار تنبت بطريقة عشوائية فتتجلى رحمة الطبيعة و عظمة الخالق. استنشق الهواء الجاف النظيف بارتياح بالغ فنبت فى صدره شعور بأن الله لم يخلق هذا الجمال إلا من أجل متعة الإنسان و من لا يستمتع به يعاقبه الله عقاباً شديداً. جلس على الأرض مستظلاً بشجرة ضخمة غامضة و راح يتأمل هذه الجنة القابعة فى قلب الصحراء و هو يقول فى نفسه: ما فاز بالملذات إلا كل مجازف.
تذكر صديقته "سلمى" متمنياً وجودها معه الآن. تعشق الحياة مثله، مفعمة بالنشاط و الحيوية، وتهيم عشقاً به و بألحانه السريعة. تعتمد إثارته و لفت نظره حتى تشعره بأنها لا ترقص إلا له وحده و على أنغامه هو فقط.
كانت ابتسامتها صافية حانية، أسرته بحنانها الذى لم يشعر به من أى إنسان سواها، تمدحه إرضاءً لغروره، تمنحه عقلها و قلبها و جسدها، فهى على استعداد لفعل أى شىء من أجل إسعاده. كانت الواحة التى يلجأ إليها من حين لآخر، الصدر الحنون الذى يختبئ فيه كلما تعثر، طريق الفن طويل شاق، كله قلق و انفعالات، إبر و أشواك. لابد من وجود امرأة بجواره لتعيد إليه توازنه النفسى بعد أن فقد "رشا" إلى الأبد...
عندما تذكر "رشا" شعر بالبرد يدب فى أوصاله، فوجد نفسه يتجه إلى السيارة رغماً عنه بحثاً عن زجاجة الوسكى، عاد إلى قلب نفس الشجرة أشعل ناراً صغيرة و راح يشوى أصابع السجق الواحد تلو الآخر و هو يرشف من زجاجته. دبت الحرارة فى جسده فخلع سترته ثم قبل الزجاجه فى نشوة بعد أن امتلأ بطنه و دارت رأسه. مدد جسده على الأرض و هو يتأمل القمر الساطع من ناحية الشرق.
هبط الظلام كثيفاً موحشاً دون أن يدرى، عاد إلى السيارة بخطوات مترنحة، سمع صوت همهات غريبة يأتيه من يساره، التفت فاتسعت عيناه فزعاً حتى تلاشى تأثير الخمر. رجلان مضرجان بالدماء الحمراء القانية، الوجهان متسخان ممسوخان، يتواجهان بنظرات التحدى النارية و هما يزومان مثل الذئاب الجائعة.. ارتجفف "محمد" هلعاً، ترك لساقية العنان، تعثر فى أحد الأحجار فوقع على ذراعه الأيسر.
* الفصل الثالث، يوم الخميس القادم، إن شاء الله.
حسام أبو سعدة.
hossamaboseda@gmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق