وهنا يفترق الأصدقاء
قصة من تأليف عصام قابيل-
**********************

ويعملان في أعمال البناء والحفر وما إلي ذلك من الأعمال التي تحتاج إلي سواعد قوية .
وكانا ينتظران أمام موقف السيارات ؛ يتلقفون كل سيارة تأتي يسارعون إليها
و هم ومن معهم من العمال ثم يأذن الله لهم برزقهم
ويعودون آخر النهار حامدين الله شاكرين أنعمه .
وكان كل منهما يحب الآخر حبًا شديدًا ؛ ويضحيان من أجل بعضهما البعض ، ولم تكن لهم أحلام ولا أمنيات الا أن يسترهما ربهما كل ليلة ، ويعودان بطعام الأسرة .
وذات يوم أقبلت سيارة فارهة بزجاج غامق ؛ ثم مالبثت أن وقفت ونزل الزجاج رويدا وإذا برجل تبدو عليه الهيبة ؛ وأشار إلى مكروم ومخموم فإن هي إلا ثوان معدودة والإثنان قد وقفا أمام السيارة .
أومأ لهما الرجل بالركوب تسارعا إلى السيارة ودخلا تسبقهما العجلة والفضول ، وقال مخموم في لهفة :
- إيه المطلوب ياباشا ، غمزه مكروم وقال
-اصبر حتي يقول الرجل مايريد قال الرجل بلهجة فيها جدية- :
- - أنا سأعرض عليكم عرضا لا يحلم به أحد ، فتح كل منهما فاه ونظر إلى الآخر، ثم قالا في نفس واحد
- خير ياباشا ، عرض إيه ؟
قال الرجل :
- أنا ممكن أريحكم من اللي انتم فيه ده ؟
ردوا أيضا في نفس واحد: :
: إزاي ياباشا ؟! ، قال الرجل -
- أنا سأعطيكم مبلغا كبير جدا ! ولكن بشرط ؟
تلهفا في الرد عليه :
وما هو الشرط ؟-
قال :
- انكم تكونوا على مستوى المسئولية !
نظر كل من مكروم ومخموم إلى بعضهما البعض ، وكأنهما لم يفهما قصد الرجل ، فرد الرجل - وكأنه فهم ذلك اللبس في إفهامهما- :
- يعني انكم تستخدموا هذه النقود في كل خير ، وتعمروا القرية ، وتهتموا بأهلها ،ثم بعد عشر سنوات سأذهب بكم إلى الصحراء هناك خلف هذه المقابر ، وأشار الرجل بيده إلى ذلك المكان المهجور والذي يستوحشه أهل القرية .. تلك الصحراء التي على حدود القرية عند مقلب القمامة ، قالا أيضا في نفس واحد وبلهفة شديدة :
إحنا مستعدين ياباشا ، قال مكروم -
- ياباشا مش مهم ، إحنا مستعدين
أخرج الرجل حقيبته ، واخرج منها عقدين ، ثم قال :
. وقعوا لي علي هذه العقود -
فوقعوا في لهفة كبيرة ، وكأنهم قد أصابهم مس ، ثم أخرج لهم النقود وأعطاهما اياها ، وقال :
-هذه النقود مناصفة بينكما ؛خطف مكروم ومخموم الحقيبة وطارا من السيارة ؛نادي الرجل بحزم :
-انتظر ياابني انت وهو لابد من بصمة كل منكما علي العقد للتاكيد عادا الي السيارة ، وهما يتخبطان في بعضهما البعض ؛ وبصما على العقد ثم واصلا الجري.
عادا الي البيت ، واقتسما المبلغ الذي كان كبيرا ؛ إنها المرة الأولى التي يمسكان بهذا المبلغ الرهيب ، واتفقا على أن يستفيدا من هذا المال ويكونان سببا في الخير لهذه القرية .
ولكن بعد أيام كانت النتيجة أن ترك مكروم صديقه مخموم لينام قرير العين ، أما عن مكروم فقام في منتصف الليل يشكر ربه -وهو يبكي- وعاهد الله على نفع أهل القرية مااستطاع .
إستيقظ مبكرا جدا ، صلى الصبح، ثم ذهب إلى مخموم ليبدءا فيما اتفقا عليه .
طرق مكروم الباب لم يرد أحد ؛ واصل الطرق فلم يرد أحد ؛ تعجب مكروم ؛ أين ذهب مخموم ؟ فلما استبد به اليأس خرج إلى الطريق وسار حتى وصل إلى مشارف القرية عند المقهي الكبير ، وجد هناك مخموم وحوله حشد كبير من أهل القرية وزجاجات البيرة مرصوصة على الطاولة ، والنارجيلة في يده ، والضحكات تتعالى حوله ؛ ذهل مكروم من الموقف ؛ وقف ونادي على مخموم :
- فيه إيه يابني أنا مش سايبك على النوم امبارح ، قال مخموم - وهو يتمايل ويشيح بيده :
: ياعم ماتاخدش في بالك ، قال مكروم -
- إيه اللي انت عامله في نفسك ده قال مخموم- وهو يتراقص- :
- ياعم أنا عشت طول عمري محروم إني أعمل اللي نفسي فيه ، قال مكروم - وهو يتحسر - :
- وانت عشت طول عمرك نفسك تعمل اللي يغضب ربنا ؟ قال مخموم :
- ياعم ربنا رب قلوب ، وأنا قلبي عمران وربنا هايدخل الناس كلها الجنة ؛ مش هايعذب حد بس انتو اللي تاعبين نفسكوا. ردد مكروم ، وهو يبتعد :
- الله يهديك يامخموم ؛ وقف مكروم على مشارف القرية وقال في نفسه :
- أنا عمري مارحت عند الصحرا اللي قال عليها الراجل الغني أنا أريد أن أذهب إليها لأراها .
تحرك مكروم في اتجاه الصحراء التي على حدود القرية ، ونظر إليها من بعيد وخطر بباله فكره ويالها من فكره وارتسمت في ذهنه صورة جلية وواضحة لهذه الفكرة ،وقال :
. سابدأ في تنفيذها فورا -
عاد أدراجه وسأل على البلدوزر الذي كان يقف عند موقف السيارات ، فدله الناس على مكانه ؛ ذهب إلى هناك فوجده يجرف قطعة أرض ، فسأل سائقه :
-عندك وقت تشتغل معايا ؛ بس هانطول شوية ، قال الرجل -وقد لمعت عيناه- :
: مستعد ياريس ، قال مكروم -
-على ماتخلص شغلك أنا هاروح مشوار وراجعلك .
عاد الي القرية ، ونادى في الميدان على زملائه وأحبائه وأصحابه أيام التعب والشقاء ؛ فجاؤه كلهم إلا قليلا منهم ، آثر أن يكون مع مخموم ، وأولئك قالوا في أنفسهم:
- نتعب ليه خلينا جنب مخموم ، ولا نشقي ولا نتعب ، وظلوا على هذا الحال حتى نبذهم أهل القرية ، واخذوا يصبون عليهم اللعنات كلما مروا عليهم ذهابا وإيابا . تحرك مكروم تجاه الصحراء ومعه اللودر الكبير ، والناس من حوله ، وأخذ يرفع الأوساخ والزبالة ، ويعبد الأرض حتى صارت مجهزة للبناء .
ظل مكروم يعمل بجد وحماس ، ومعه الجادين من أهل القرية حتي بني بيوتا وقصورا وحدائق وأسواقا ، وكلما مر علي مخموم نبهه أن الوقت يمر فيرد مخموم :
- الفلوس كتير والحمد لله أنا ليه أشتغل و أتعب نفسي ؟!!
أنا مبسوط كده والحمد لله .
لم تمض فترة كبيرة حتي تغير شكل المنطقة ، وكادت أن تصبح من أجمل الأماكن على وجه الأرض .
قصور وبيوت فارهة ، ومياه عذبة نقية وحدائق جميلة ، والناس في سرور شديد رغم التعب والعناء فقد تغير شكل هذه المنظقة التي كان يخاف الناس منها ومن شكلها . مضي الوقت سريعا وتلاحقت السنوات تباعا حتي قاربت المدة ، وجاء الرجل الغني يطمئن على مكروم ومخموم فوجد ماصنعه مكروم فسُر جدا وشجعه وأيده ، ثم سأل على مخموم فقالوا له:
-إنه في الملهى هناك على مشارف القرية ؛ ذهب إلى هناك فوجد مخموما سكرانا حتى الثمالة ؛ نادى عليه فلم يسمعه ؛ هزه من كتفيه فلم يلتفت إليه نظر إليه في حسرة كبيرة ومضي بعيدا .
مضت الأيام سريعا حتي جاء الميعاد ،جاء الرجل الغني ومعه رجال أشداء أقوياء وقال لمكروم :
- هل أنت مستعد يامكروم قال مكروم وهو يضحك :
: نعم مستعد ، سأل الرجل -
-أين القاذورات والأوساخ ؟ قال مكروم : - نقلتها بعيدا وعمرت المكان الذي ستنقلني إليه و أشار إلى المكان الذي نقل فيه الأوساخ والأدران قال الرجل -وهو حزين - :
-آتوا بمخموم ؛ ذهب الرجال إلى حيث مخموم وجروه من قدميه ورجليه إلى الرجل الغني فلما وقف عنده قال له الرجل الغني :
: ماذا فعلت يامخموم ؟ ، قال مخموم -
-أخذتني الدنيا ونسيت ، هل من فرصة تانية ياباشا ؟
استنكر الرجل أسلوب مخموم ، وقال للرجال :
- ألقوا به هناك حيث الأوساخ والأدران أخذ مخموم يصرخ ويصرخ حتي تلاشي صوته .
وهناك تنعم مكروم بما صنع وأبدع.
#عصام_قابيل
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق